ربما لا أكون مبالغًا إذا قلت إن الشخصية المصرية أكثر الشخصيات التي تعرضت لكل صنوف القصف الاستعماري على مر التاريخ وتقلب الحضارات، ولكنها في كل نوبة من نوبات القصف كانت دائمًا قادرة ببراعة وعبقرية على المواجهة والتصدي بكل مخزونها القيمي لهذا القصف، سواء أكان قصفًا عسكريًا أو ثقافيًا خارجيًا، وخرجت في كل مرة منتصرة، مكللة بتاج المجد والفخار، مهما طال أمد المحنة، فهي تمتص هذا القصف وتفتته وتذيبه، فلا يبقى له أثر إلا بالقدر الذي يتفق معها، فتحوله إلى مضمون مصري خالص.
ولكن علينا أن نعترف أن نوبات من القصف المعاصر كانت موجعة ومؤثرة، ساعدتها في ذلك ظروف استثنائية ومناخ مواتٍ، مكَّن هذه النوبات المعادية من النيل من هذه الشخصية الصامدة، فألحقت بها ظواهر سلبية لم تبلغ خيالات وتصورات أيٍّ من الباحثين والمراقبين.
ولعل نقطة التحولات الكبرى لهذه الشخصية بدأت بقوة ووضوح مع التطبيق العملي لسياسة الانفتاح، ثم إبرام اتفاقية السلام مع الكيان الصهيوني، فكانت لكليهما تبعات جسيمة على جموع الشعب المصري. ومما لا يمكن تجاهله أن ضربات هذا الانفتاح وتلك الاتفاقية قد جعلت الشخصية المصرية مرمىً لها لا تحيد عنه يمينًا ولا يسارًا، فكانت شديدة التركيز والتأثير وسط أجواء من المقاومة على مستوى المثقفين المصريين الوطنيين، الذين جوبهوا بإجراءات من السلطات حينذاك، فهاجر بعضهم إلى خارج البلاد لينجو من الملاحقات، ومكث بعضهم يقاوم دافعًا ثمنًا غاليًا، ولاذ بعضهم بالصمت والانكسار، وتماهى قلة منهم مع الأجواء السائدة.
وهنا أصبحت الشخصية المصرية دون حصن منيع يصونها من التشوهات التي لحقت بها، وباتت تنزف مناعتها يومًا بعد يوم، مما جعلها تستسلم وتخضع في لحظة مأزومة لكثير من الثقافات الوافدة مع موجات العولمة التي راحت تصب قيمها المدمرة صبًّا قاسيًا على جسد منهك أصابه الوهن، وراحت نتائجها تظهر بوضوح.
وفي الجانب الآخر غابت سياسات الدولة المصرية غيابًا تامًا لمعالجة ذلك، فتفشت الشخصية الفهلوية متدنية التعليم والثقافة أو المعدمة منهما، وعرفت الطريق إلى الصعود في السلم الاجتماعي دون حق، وتبوأت أماكن ليست مؤهلة لها، وتمكنت من النفاذ بقوة إلى مفاصل الفضاء الاجتماعي، فصنعت دولة عميقة بامتياز، لها من الهيمنة والسيطرة ما من شأنه ركل الطبقة الوسطى إلى القاع.
ووقعت هجرة العمال والحرفيين والفلاحين في صورة هجرات جماعية، وكأن الوطن قد قرر بحسم في تلك اللحظة السوداء أن يلفظ أبناءه، وكانت لهذه الهجرات عظيم الأثر في ظهور جماعات التطرف والإرهاب والعنف المسلح الذي لا عهد للمصريين به من قبل، وأصبح هناك متطرف أو متشدد على الأقل في كثير من الأسر المصرية.
لقد شاعت ظواهر التدين الشكلي بين شباب الوطن، واكتظت بهم البلاد، وفي الظلام راحت تتشكل جماعات التدين السياسي، والتي انتهى بها الأمر لتهديد كيان الدولة المصرية. وكما نال قصف التدين السياسي والتطرف الديني عقول الشباب بل والكبار، كان هناك قصف آخر أبلغ في ضراوته وتأثيره في الصحة العامة وعقول الشباب، إنه قصف المخدرات بكل ألوانها، والذي اقترنت به ظواهر العنف والبلطجة وجرائم القتل والسرقة.
وبتنا نسمع ونشاهد تلك الجرائم وكأنها فولكلور معلوم، وباتت هنالك مهددات نلمسها في تلك الشخصية العريقة تثير في نفوسنا الخوف والفزع، لأنها نذر لمستقبل غامض. فكان من جراء قصف العولمة والتجاور مع ثقافة الكيان الصهيوني والانفتاح القبيح أن ظهرت الشخصية الاستهلاكية والتواكلية واللامنتمية والمحبطة والمستغربة والمشوهة فكريًا ونفسيًا، والشخصية المتطلعة للثراء السريع بالطرق الملتوية، والشخصية الحادة الساخرة المتنمرة التي لا تعرف للموضوعية سبيلًا، والشخصية التي تعاظم من فرديتها كبرًا وتسلطًا، والشخصية الباحثة عن هوية بديلة.
وكذلك ضعف الشعور بالمبادرة للعمل التطوعي والجماعي، وطغت الأنانية، وانخفض الشعور باحترام الجار واحترام الغير، كما سقطت الشخصية المصرية في الاستهواء وسرعة تقليد الآخر الأوروبي دون مبرر، فباتت شخصية تعلي من شأن الشكل على المضمون والمظهر على الجوهر.
وأضيف إلى ذلك كله قصف الازدحام في الشارع المصري ومؤسساته، مما يصنع شخصية حانقة متوترة سريعة الغضب والانفعال.
ولهذا كله يجب أن تنهض الدولة المصرية بالتصدي بقوة لهذا القصف الذي لن يتوقف في الحاضر ولا المستقبل، على اعتبار مركز مصر وحضارتها، مما يشكل مطمعًا مستمرًا لكل ألوان الاستعمار الذي يمهد الطريق دائمًا للتدخل العسكري بتشويه الملامح الأصيلة لشخصية أي شعب من الشعوب، ونحن في صدارة الشعوب التي يكيد لها الاستعمار بليل.