بهدوء وصل حد التجاهل مرت انتخابات مجلس الشورى، تمامًا كوصول منتخب مصر الوطني كأس العالم لكرة القدم، وكلاهما مؤشر لصورة ذهنية راسخة في العقل الجمعي المصري، مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بأنماط صارت منفرة لأبعد الحدود من فرط تكرارها وفرضها فرضًا، أو مناهج وآليات هي الأخرى أصبحت بالية عفى عليها كل زمن.
نفس الشيء يتكرر الآن مع الاستعدادات لخوض انتخابات مجلس الشعب المنتظرة خلال أيام، المواطن المصري لا يهتم، لا يستشعر حتى أن الأمر يخصه، يضحك في قرارة نفسه كلما أتى ذكره على لسان مرشح أو آخر، مستقلًا كان أو بقائمة حزبية، وسواء كان الحزب مواليًا حضوره طاغٍ أو معارضًا صوته خافت.
أضحك معك على ذكر كلمة حزب، هو بالفعل “هَم” يضحك، فعدد الأحزاب السياسية المصرية بعد انفتاح ثورة يناير زاد حتى تجاوز المائة حزب، اندهشنا وقتها ولكن تفاءلنا خيرًا، توقعنا أن “تفلتر” نفسها مع الوقت، فلا يستمر منها فاعلًا إلا أحزاب الرؤى والخيال، المتطلعة إلى آفاق أرحب وأصدق من العمل السياسي.
لكن عادت ريما سريعًا إلى عادتها القديمة، ألقت الأحزاب السياسية المصرية -إلا قليلًا جدًا- بنفسها في حضن السلطة، وفي مقدمتها أصحاب التاريخ السياسي الطويل العريق منها كحزب الوفد مثلًا، ولم يكن المبرر إلا ماسخًا جدًا، الوقوف صفًا واحدًا والمعارضة الوطنية من مربع الدولة، نظرية نسفت مفهوم العمل الحزبي من أساسه!
كان شيئًا مضحكًا قبل أن يكون مخجلًا، تأكيد الأحزاب السياسية -الأليفة- أنها لا تسعى إلى السلطة، وطالما الأمر هكذا فلا تنتظر منها برنامجًا أو مشروع قانون أو حتى ورقة عمل، الأمر كله وجاهة سياسية لاستكمال الوجاهة الاجتماعية، ولا مانع من تبادل المصالح هنا وهناك، وتوريث المقاعد لسلالات العائلات النيابية الكبرى.
حتى من استبشرنا بهم خيرًا ممن قدموا أنفسهم تباعًا في سنوات ما بعد ثورة يناير، وحرصوا على تغيير الصورة الذهنية الراسخة عن ملامح السياسي والحزبي، وجدناهم تباعًا يتحولون ويتقولبون في ذلك النمط التقليدي التاريخي المتجذر في العقل الجمعي المصري، والمقارنة قطعًا لم تأتِ أبدًا في صفهم، كان الأقدمون ساسة بحق.
لاحظ أيضًا حالة الانفصال عن الواقع التي يعيشها كل هؤلاء الفوارس، نادرًا ما تستشعر أحدهم واحدًا من الناس، شبه المواطن المصري العادي، لا شكلًا ولا مضمونًا في طرحه ولهجته، كله مرسوم فاقد الروح والحضور، صوت بدون صدى، لا يبحث عن مساحته بين الناس، قدر انشغاله برضاء أولي الأمر وأصحاب القرار.
لغة المال سائدة مع الأسف، ومن يدفع أكثر حظوظه بكل تأكيد أكبر، في مكانته الحزبية قبل مكانه على القائمة الوطنية، أو حتى مدعومًا في ترشحه على مقعد فردي شارد أمره مُعَلَق بعد، أجواء صادمة جدًا ونتائجها شاخصة في أداء البرلمان المصري في دورتيه السابقتين، ولكن أمر المدة المقبلة حتمًا يختلف.
الدورة المقبلة دورة انتخابات رئاسة الجمهورية المنتظرة في 2030، وملف العمل السياسي لا بد وأن يأخذ أولويته على أجندة الدولة المصرية، وحكمة الرئيس عبد الفتاح السيسي -وأيضًا قوته- تضمن التحرك بوعي في هذا الملف، بما يسمح بظهور كوادر سياسية قادرة على الحراك بين الناس، أملًا في رؤية مستقبل مصر لسنوات طويلة قادمة.
العمل السياسي يحتاج نفسًا طويلًا، ومن يجد في نفسه الرغبة والرؤية والإرادة عليه أن يبادر حتى ولو كان مفلسًا، ما لا يتحقق الآن يأتي بعد حين، البطولة في الاستمرارية، وبين مرشحي الانتخابات المقبلة من يستحق الدعم، فابحثوا عنهم بعيدًا عن صخب الأموال، حتى لا تكون صفحة جديدة من نفس الكتاب!