في ظل المحاولات المتكررة لإحلال السلام في منطقة شرق المتوسط خلال الفترة الأخيرة، ظهرت قضية الغاز الطبيعي كإحدى أبرز القضايا التي جدَّدَت الصراع السياسي في المنطقة، فحسب تقريرات صحفية أن حقل “ليفياثان” الإسرائيلي قد وقّع على صفقة لتصدير الغاز الطبيعي لمصر بقيمة 35 مليار دولار أمريكي، ولكن ظهرت بعض المعوقات التي حالت دون إتمام الصفقة، فما القصة؟!
حقل “ليفياثان” وتطورات الصفقة
رغم ما بَدا في البداية أنه خطوة جديدة نحو التعاون الإقليمي وتعزيز المصالح الاقتصادية المشتركة، فإن صفقة الغاز بين مصر وإسرائيل سرعان ما تحوّلت إلى ملف بالغ الحساسية، يعكس تعقيدات المشهد في شرق المتوسط الذي تتقاطع فيه المصالح السياسية والأمنية مع احتياجات الطاقة والاقتصاد.
تعود جذور الأزمة إلى التفاهمات التي جرت قبل أعوام حول تصدير الغاز من حقل “ليفياثان” الإسرائيلي إلى مصر، عبر شركات وسيطة تعمل في مجال الطاقة، وكان من المفترض أن تُستخدم الكميات المورّدة في تشغيل محطات الإسالة المصرية لتصدير الغاز مجددًا إلى أوروبا، ما يمنح القاهرة موقعًا محوريًّا في تجارة الطاقة الإقليمية. لكنّ تلك التفاهمات اصطدمت بعقبات متشابكة، أبرزها التوترات الأمنية في شمال سيناء، والضغوط الداخلية في إسرائيل، بالإضافة إلى التطورات السياسية الإقليمية التي جعلت مسألة تصدير الغاز تتجاوز الحسابات الاقتصادية البحتة.
موقف مصر من الأزمة
في المقابل، تجد مصر نفسها في موقف مزدوج؛ فهي تسعى إلى تأمين احتياجاتها الداخلية من الطاقة، وفي الوقت نفسه الحفاظ على مكانتها كمركز إقليمي لتجارة الغاز، وهو ما يجعلها حذرة في التعامل مع الاتفاقيات التي قد تُحمِّلها تبعات سياسية غير مرغوبة، خصوصًا بعد رفض مصر القاطع لتهجير الفلسطينيين إلى سيناء، وقد لوَّحت مصر في أكثر من مناسبة بتهديدات عسكرية لإسرائيل في حالة حدوث ذلك.
ومما لا شك فيه أن مصر تواجه مصر تحديات مرتبطة بتراجع الإنتاج المحلي مؤخرًا في بعض حقول الغاز الطبيعي، ما يدفعها إلى موازنة دقيقة بين الاستيراد والتصدير للحفاظ على استقرار السوق المحلي.
الموقف الإسرائيلي
أما على الجانب الإسرائيلي، فقد رأت تل أبيب في تصدير الغاز إلى مصر “فرصة استراتيجية” لتكريس حضورها الاقتصادي في المنطقة، وكسر عزلتها الجيوسياسية عبر “دبلوماسية الطاقة”، غير أن التوترات الأخيرة، سواء على خلفية الحرب في غزة أو بسبب الرفض الشعبي العربي لأي شكل من أشكال التطبيع الاقتصادي، جعلت من استمرار الصفقة موضع تساؤل، خصوصًا أن الغاز الإسرائيلي قد لا يكفي الطلب المحلي للـ 25 سنة القادمة، فهي ترغب في زيادة سعر الصفقة والاستفادة منها اقتصاديًّا؛ كل هذا يقف عائقًا أمام إتمام الصفقة.
إسرائيل تتلاعب بالصفقة
قال الدكتور “رمضان أبو العلا” أستاذ هندسة البترول والطاقة، في تصريحاته لـ “القصة” والتي صرَّح بها من قبل في برنامج “يستحق الانتباه” على قناة BBC: إن هناك اتفاقيتين أساسيتين بين مصر وإسرائيل في مجال الغاز الطبيعي.
وأوضح أنّ: “الاتفاقية الأولى” كانت لتصدير الغاز المصري إلى إسرائيل، وقد تضمّنت شرطًا جزائيًا في حال توقّف الإمدادات. وعندما توقفت مصر عن التصدير بسبب تفجيرات خط الغاز خلال فترة الثورة، رفعت إسرائيل دعوى قضائية وحصلت على حكمٍ ضد مصر بقيمة 1.76 مليار دولار، قبل أن يتم لاحقًا التوصل إلى تسوية وتوافق بين الجانبين.
أمّا “الاتفاقية الثانية” – بحسب الدكتور أبو العلا – فلَمْ تتضمّن أي شرط جزائي مُماثِل، وهو ما جعل الموقف الحالي أكثر تعقيدًا، إذ تتلاعب إسرائيل بالاتفاقية وترفض تنفيذها رغم الضغوط الأمريكية، سعيًا لتحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية على حساب مصر.
وأشار إلى أن: “موقف مصر ثابت وواضح تجاه القضية الفلسطينية، وهو ما ينعكس في تمسّكها بمبادئها رغم التعقيدات السياسية والاقتصادية المحيطة”.
وأضاف أبو العلا: الخلاف بين الولايات المتحدة وإسرائيل حول هذا الملف واضح للجميع، لكن لا أستطيع الجزم بالنوايا. والموقف الأمريكي في جوهره “إيجابي تجاه مصر”، لأنه يسعى إلى تفعيل الاتفاقية، بينما التلاعب يأتي من الجانب الإسرائيلي، والدليل على ذلك إلغاء وزير الطاقة الأمريكي زيارته الأخيرة.
إلغاء الاتفاقية قوة إقليمية لمصر
قالت الدكتورة سمر عادل خبيرة الاقتصاد في تصريحات لـ “القصة”: إن التطورات الأخيرة في ملف الغاز بين مصر وإسرائيل كانت متوقعة بعد مؤتمر شرم الشيخ، مشيرة إلى أن “موقف مصر الثابت والداعم للقضية الفلسطينية“ جعل من الطبيعي أن تتجه إسرائيل إلى استخدام ملف الغاز كأداة ضغط.
وأوضحت: إسرائيل تسعى حاليًا إلى رفع أسعار الغاز، خاصةً أن مصر كانت تحصل عليه بأسعار منخفضة نسبيًّا، مُضيفةً أن هذا القرار الإسرائيلي “يعكس رغبتها في تحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية من وراء الموقف المصري”.
وأشارت إلى أن: إلغاء الاتفاقية الحالية ليس بالضرورة خسارة لمصر، بل يُشكِّل “مكسبًا استراتيجيًّا”، فقد كانت الاتفاقية السابقة تُقيِّد مصر بجزء من طاقة التسييل المخصَّصة للغاز الإسرائيلي، أمّا الآن فإلغاء الاتفاق يمنح مصر القدرة الكاملة على تشغيل منشآتها وتسييل الغاز بحرية، ممّا يعزز فُرصَها في السوق الإقليمية والعالمية، كما أنّ إسرائيل ليست دولة ولكنها مجرد كيان، فلا يمكن الاتّكاء على أي اتفاقيات معها.
وأكدت د. “سمر” أن: مصر تمتلك “بدائل متعددة” في حال توقَّفت الإمدادات الإسرائيلية، قائلةً: مصر يمكنها عقد اتفاقيات جديدة مع دول إقليمية أخرى، وهناك بالفعل مناخ من المصالحات والتحولات السياسية في المنطقة يمكن استثماره لصالح تعزيز دور مصر الإقليمي. بل على العكس تمامًا، فهذا قد يكون “بدايةً لعودة مصر كلاعب محوري في مجال الطاقة”.
منتدى غاز شرق المتوسط في مصر
وفيما يتعلق بمنتدى غاز شرق المتوسط والذي تستضيفه القاهرة، رأت د. “سمر” أن انعقاده في القاهرة “قد يدعم فرص مصر في توقيع اتفاقيات استثمارية وتجارية جديدة، ويؤكِّد دورَها كوسيط ومركز طاقة في المنطقة”.
واختتمت حديثها قائلة: ما يجري الآن يُمثِّل تحولًا مُهِمًّا في خريطة الطاقة بشرق المتوسط، هذه التحولات قد تُكسِب مصرَ قوةً إضافية وتدعم موقعها القيادي في الصراع الاقتصادي والسياسي الجاري بالمنطقة.
مصير الصفقة
المراقبون يرَون أنّ أزمة الغاز الحالية تتجاوز مجرد “صفقة متعثرة” لتتحوّل إلى اختبار لمستقبل التعاون الإقليمي في شرق المتوسط، فالمعادلة الجديدة لم تعد تقتصر على تبادل المصالح، بل أصبحت ترتبط بمدى قدرة الأطراف على إدارة خلافاتها السياسية ضمن إطار من الواقعية الاقتصادية.
في النهاية.. يبقى الغاز في شرق المتوسط أكثر من مجرد مورد طبيعي؛ إنه ورقة نفوذ ومجال صراع على المكانة والسيادة، ومصير صفقة “ليفياثان” مع مصر سيكون – على الأرجح – مؤشِّرًا على شكل التوازنات المقبلة في المنطقة، بين منطق التعاون ومقتضيات الصراع.
ومع تصاعد التوترات في غزة واستمرار الغموض في مسارات التهدئة، يُرجَّح أن تشهد المرحلة المقبلة تباطؤًا في أي تعاون اقتصادي مباشر، إلى أن تهدأ العواصف السياسية والأمنية. لكن من المؤكَّد أن الغاز سيبقى عنوانًا رئيسيًّا في معادلة العلاقات بين مصر وإسرائيل، ليس بوصفه سلعةً فحسب، بل باعتباره رمزًا لتقاطع المصالح وصراع الإرادات في شرق المتوسط.