يعد المجلس العرفي من أقصر الطرق لحل النزاعات بين الناس. فكثيرًا ما يلجأ الناس إلى الحكماء من الأهالي للفصل فيما بينهم، بعيد عن أروقة المحاكم. فكان المجلس يقتص من الظالم، ويرد للمظلوم مظلمته، دون ظلم أو محاباة لأي من الأطراف.
ولكن، وبعد رحيل الكثير من الحكماء الذين كانت لهم هيبتهم وحكمتهم في الفصل بين الناس، اختلط الحابل بالنابل، وأصبح المجلس العرفي في كثير من الأحيان سلعة يشتريها القوي — أو الظالم بمعنى أدق.
فتحول الأمر من الفصل بين الناس ورد المظالم بالحكمة والعدل، إلى إقناع المظلوم بضرورة التنازل عن حقه أو جزء منه تحت مسمى “الصلح خير”، مستخدمين إيصالات الأمانة التي يُجبر الطرفان على توقيعها كفزّاعة تُشهر في وجه من يجرؤ على الاعتراض أو عدم تنفيذ ما فُرض عليه.
أي صلح هذا الذي يُنتزع تحت الضغط؟
وأي عدل يُبنى على التخويف؟
وفي الآونة الأخيرة، ظهر على الساحة العديد ممن يطلقون على أنفسهم “قضاة عرف”، يتصدرون المشهد عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يسوقون لأنفسهم طلبًا للشهرة، ويعرضون جلساتهم وكأنها بطولات شخصية. فمشاكل الناس يتم سردها على العلن، وتُذكر الأسماء، وتُفضح البيوت، في استهتار خطير بخصوصية المواطنين وأمنهم.
والأدهى أن كثيرًا من هؤلاء غير مؤهلين، ولا يمتلكون علمًا كافيًا للفصل بين الناس بالعدل؛ لا دراسة، لا دراية، لا خبرة حقيقية. مجرد حضور وصوت عالٍ وبعض الأتباع.
بل إن البعض — للأسف — تحوم حولهم شبهات وسوابق وسير غير محمودة، ومع ذلك يجلسون للفصل بين الناس!
بل أن البعض منهم مأجورين ويتقاضون أموالًا في الخفاء، فتختل الموازين، وينحاز الحكم حيث تميل المصلحة.
حتى إن كثيرًا من أصحاب العلم والسيرة الحسنة آثروا الابتعاد، حفاظًا على كرامتهم وسمعتهم، تاركين الساحة لمن لا يفقه خطورة ما يفعل.
أين الضوابط؟ أين الرقابة؟ وأين دور العُمد ومشايخ البلاد، في ضبط هذا المشهد المنفلت؟
إن ما يحدث في بعض هذه الجلسات ليس إصلاحًا، بل هو في أحيان كثيرة إكراه مقنّع، وإهدار لحقوق تحت ضغط اجتماعي منظم.
العرف الذي كان سندًا للعدل، يتحول اليوم — في بعض صوره — إلى أداة لشرعنة الظلم.
ومن هنا، أوجّه نداءً إلى وزير الداخلية، ومساعديه في جميع محافظات مصر، بضرورة تنظيم وتقنين الجلسات العرفية، ووضع معايير صارمة لاختيار من يتصدرها من أصحاب السيرة الحسنة والعلم والخبرة، ومنع أي ممارسات تُجبر المواطنين على التنازل أو توقيع إيصالات أمانة تحت ضغط.
فالعدل لا يُدار بالاستعراض، وحقوق الناس ليست مسرحًا للشهرة أو المصالح.