بعد مرور نحو عام على تولي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مهام منصبه، يبدو أن أوروبا تواجه مرحلة حرجة في علاقتها مع الولايات المتحدة. استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الأخيرة أثارت غضب القادة الأوروبيين وقلقهم، إذ كشفت وثيقتها عن أهداف “ترامب” الخاصة وإدارة مصالح أمريكا وفرض سياستهت، خاصة في مجالات الصين والدفاع والاقتصاد.
وفي هذا الصدد، أكد خبراء قانون واقتصاد حجم الضغوط الأمريكية وتأثيراتها العميقة على أوروبا، سواء على المستوى الاستراتيجي أو الاقتصادي أو السياسي.
من شريك إلى تابع
يكشف الدكتور محمد محمود مهران أستاذ القانون الدولي العام وعضو الجمعيتين الأمريكية والأوروبية للقانون الدولي، التحولات الجذرية في العلاقات الأمريكية الأوروبية بعد عام من حكم “ترامب”، مؤكدًا أن الإدارة الأمريكية الحالية حولت أوروبا لموقع التابع الاستراتيجي، وأن العلاقات الأطلسية تشهد أسوأ أزماتها منذ عقود.
وأضاف أن العام الأول من ولاية “ترامب” الثانية شهد تحولا من الشراكة الاستراتيجية إلى علاقة آمر و مأمور، حيث تصدر واشنطن الأوامر وعلى بروكسل الانصياع، الاحترام المتبادل الذي ميز العلاقات الأطلسية لعقود تلاشى تمامًا.
وأشار إلى أن استراتيجية الأمن القومي الأمريكية وضعت أوروبا بوضوح في موقع التابع، مؤكدا أن الوثيقة تتحدث عن دعم أوروبا لتصحيح مسارها و التحذير من سياساتها وممارسة نفوذ لدفعها نحو سياسات معينة، وهو خطاب لم يسبق استخدامه حتى في ذروة الحرب الباردة.
وأوضح “مهران” أن الضغوط الأمريكية على أوروبا تتخذ أشكالًا متعددة، حيث تفرض واشنطن إملاءات بشأن الإنفاق الدفاعي والعلاقات التجارية مع الصين والموقف من روسيا وسياسات الهجرة واللاجئين والسياسات البيئية و المناخية والمواقف من القضايا الدولية، وأن أوروبا استسلمت للضغوط الأمريكية بشكل مخجل، مؤكدا أن القادة الأوروبيين أظهروا ضعفا استراتيجيا واستسلموا للإملاءات الأمريكية في معظم الملفات رغم تعارضها مع المصالح والقيم الأوروبية، مما يكشف أزمة قيادة حقيقية في بروكسل.
وأكد أن العلاقات الحالية تنتهك مبدأ المساواة في السيادة من منظور القانون الدولي، موضحا أن ميثاق الأمم المتحدة يقر بالمساواة الكاملة في السيادة بين جميع الدول، وأن تحول العلاقة لعلاقة تبعية يتعارض مع هذا المبدأ الأساسي حتى بين الحلفاء. وأضاف أن الضغوط الأمريكية على أوروبا تشكل تدخلا في الشؤون الداخلية، وأن الإملاءات الأمريكية بشأن السياسات الداخلية الأوروبية تنتهك هذا المبدأ الأساسي.
واختتم “مهران” بالقول إن التوقعات المستقبلية للعامين المقبلين تشير إلى تعمق الأزمة الأطلسية، موضحاً أن ترامب سيواصل سياسة الضغط والإملاءات، وأن أوروبا ستواجه خيارات صعبة بين الاستسلام الكامل أو المواجهة، وأن أي سيناريو سيكون مكلفاً للطرفين، حيث من المتوقع توترات تجارية و جمركية قد تؤدي لحرب تجارية شاملة تضر باقتصادات الطرفين، مؤكدًا أن العلاقات الأطلسية وصلت لنقطة حرجة، وأن على أوروبا استعادة استقلالها الاستراتيجي أو القبول بالتبعية الكاملة لواشنطن، وأن المستقبل القريب سيكون حاسماً في تحديد مصير الشراكة الأطلسية.
صدمة أوروبا
وفي هذا الصدد، تقول الدكتورة سمر عادل، الخبيرة في الاقتصاد الإفريقي، إن الرسوم الأمريكية تمثل صدمة تجارية لأوروبا لأنها استهدفت قطاعات تمثل لب الصناعة الأوروبية، مثل السيارات والآلات والمنتجات الدوائية.
وأوضحت أن التأثير لم يقتصر على ارتفاع تكلفة السلع الأوروبية داخل السوق الأمريكي، بل كان له تأثيرات على ميزات أوروبا التنافسية التي تعتمد على الجودة مقابل سعر مقبول، ولذا عندما تضاف رسوم مرتفعة، يتحول المنتج الأوروبي إلى خيار أقل جاذبية مقارنة بالبدائل، وبالتالي تراجع الطلب على الصادرات الأوروبية وانخفاض أرباح الشركات الكبرى. كما أن الشركات الأوروبية أصبحت غير قادرة على التخطيط بثقة لأن السياسات التجارية الأمريكية لا يمكن تحديد مداها.
و أضافت أن أوروبا استفادت من الصين، لكنها استفادة ليست مطلقة ولا مريحة، مشيرة إلى أن الصين ما زالت أحد أهم الأسواق للصناعات الأوروبية الثقيلة، خصوصًا السيارات وبعض الآلات الهامة، وهي أيضًا المصدر الأساسي لمكونات وسلاسل إمداد منخفضة التكلفة تحتاجها الصناعات الأوروبية للحفاظ على قدرتها التنافسية.
وأوضحت أن استمرار العلاقة مع الصين سمح لأوروبا بعدم الاعتماد الكامل على السوق الأمريكي، وفتح لها متنفسا في ظل سياسة الحماية الأميركية، لكن هذه الفائدة تأتي بثمن سياسي و استراتيجي، لأن أوروبا تجد نفسها مضطرة للوقوف بين طرفين واشنطن وبكين، في وقت يتصاعد فيه التوتر بينهما.
وأكدت أن الخسائر الأوروبية هذا العام تركزت في التجارة، الصناعة، والثقة الاقتصادية، حيث تراجع الطلب على الصادرات خاصة إلى أمريكا، كما تعرضت الصناعة الأوروبية لضغط كبير، وشهدت أوروبا تباطؤا في نمو الناتج المحلي في عدد من دولها، و تراجعا في استثمارات الشركات بسبب عدم اليقين السياسي والتجاري.
كما أشارت إلى القلق الأوروبي الواضح من السيطرة الأمريكية على الاقتصاد الدولي، خاصة مع قوة الدولار وهيمنة الشركات التكنولوجية الأمريكية، وتأثير القرارات الأمريكية في التجارة والطاقة على أوروبا بشكل مباشر.
و أضافت أن الاتحاد الأوروبي يمتلك قدرات اقتصادية هائلة وسوقا موحدة ضخمة، لكن هناك اختلافات سياسية وضعف في اتخاذ قرار جماعي سريع، وأنه إذا استطاعت الدول الأوروبية توحيد سياساتها الصناعية والتجارية، وتخفيف اعتمادها على الطاقة والتمويل والدولار الأمريكي، ستكون قادرة على إدارة اقتصادها بشكل مستقل أكبر، مشيرة إلى أن المشكلة ليست في القدرات الاقتصادية بل في البطء النسبي في اتخاذ القرارات.
بين السيادة والاستقرار الاقتصادي
بعد عام من حكم “ترامب”، تبدو أوروبا عالقة بين ضغوط استراتيجية وسياسية واقتصادية غير مسبوقة، مع فرصة محدودة لتعزيز استقلالها الاستراتيجي، العام الأول كشف عن نقاط ضعف كبيرة في قيادة بروكسل، وصعوبة التوازن بين المصالح الاقتصادية والسياسية، والتحدي الأكبر سيكون كيفية إدارة العلاقة مع واشنطن والصين في الوقت ذاته، دون التضحية بسيادتها واستقرارها الاقتصادي.
بعد آخر يتجلى هنا أيضًا، وهو العجز الأوروبي الواضح أمام إنهاء الحرب في أوكرانيا دون تدخل الولايات المتحدة وترامب شخصيا، في حرب بدأها الرئيس الروسي فيلاديمير بوتين، والذي يحدد عدة شروط لوضع حد لها.
وبهذا يصبح الرجلان الميهمنان على قرار السلم والحرب، في مكان من المفترض أن يكون النفوذ الأكبر فيه للأوروبيين.