تقف المجتمعات طويلًا أمام معضلة نشر الثقافة والأدب بين الأجيال الجديدة التي ربما لم تعد تذهب للكتاب بقدر ما تتخطفها السوشيال ميديا والهواتف، ما يضع المؤسسة الثقافية في سباق غير عادل مع الإغراءات التي يوفره الهوس بالتصفح والانتقال بين مقاطع الريلز.
تجذير المعرفة في المجمعات لم يعد من قبيل الرفاهية ولا يجب الرهان على الوقت وانتظار النضوج ليصل الشاب إلى الكتاب، إنما بات إيصال الثقافة للمستهدفين من قبيل الواجب الذهاب إلى النشء لا التعالي أو التريث حتى يصل هو إلى الآداب والفنون.
من هنا لم تتأخر هيئة الأدب والنشر والترجمة التابعة لوزارة الثقافة السعودية عن موعدها السنوي في “مهرجان القراء والكتاب” بوصفه المنصة التشاركية التي تجمع القارئ بالكاتب بل تضع الأول في المقدمة، في سبيلها لإيصال المنتج الثقافي حتى وجدان متلقيه.

هذه المرة تجدد الموعد في متنزه الرّدف بمدينة الطائف، البهية بزهورها ونقائها، بعد موعدين سابقين ضربها المهرجان في الدمام وخميس مشيط، وكان الإقبال هو الظاهرة.. توافد الآلاف يوميًا على الفعاليات المتعددة التي أثرت عقول وقلوب الشباب.
هذه المرة في الطائف زادت الأعداد مع ابتكار منصات ألعاب تفاعلية بغرض توفير الإثارة وقوة الجذب اللازمين لإغراء الشباب لدخول عوالم الأدب والمعرفة.

“حضورك مكسب”؛ يستقبلك الشباب من المنظمين بشعار المهرجان في كل ركن وناصية من نواصي المهرجان وفعالياته التي تقترب من الثمانين فعالية؛ وأي مكسب أكبر من شاب يتعرف على كتاب جديد أو يلتقي كاتبًا يحاوره ويناقشه ويسمع منه ويمنحه بالمقابل حساسية التقاء الجمهور وجهًا لوجه.
ألعاب وتفاعيل، كل منها تحمل قيمة وتضيف معنى؛ وتعرف شابًا باسم رواية أو كتاب، ففي “المتاهة” التي امتدت أمامها الصفوف، تدخل إلى عمق إحدى الروايات، وتبدأ الارتحال بين فصولها وشخصياتها.
وفي فعالية أخرى، وبما أن الطائف هي مدينة الورود والروائح، فما عليك إلا أن تختار إحدى الروايات، ولتكن “الطريق” لنجيب محفوظ، وتختار عطرًا يفوح منها، ليخرجه لك القيم على الفعالية، فتشتم الكلمات كما تشتم الروائح.
وللشعر حضور، فثمة لقاء افتراضي يمكنك خلاله أن تحاور الشاعر السعودي محمد الثبيتي، تسأله ويجيبك، تطلب منه أن يلقي قصيدة ما، فيطربك بها.
وفي فعالية “بين الواقع والخيال”، تصطحبك الفتاة “هيا” في رحلة إلى البادية العربية، ترى العنقاء والغول، تقابل الشاعر العربي أمية بن أبي السلط، وتسمع منه حكاية الغراب والديك، وتشارك في اختيار مصير جناحي الديك اللذين استولى عليها الغراب وحلق بعيدًا.

في لعبة أخرى، عليك عزيزي الشاب أن تقرر أي فلسفة تتبع، هل تختار فلسفة الأخلاق الالتزامية، أم تتبع الفلسفة الواقعية.. في كل لحظة اسم فيلسوف جديد أو اسم مفكر أو كتاب أو موسوعة.
أما عن التقنية، فلا مجال للتخلي عنها، فأغلب هذه الفعاليات تربط الزائر لها بنماذج الذكاء الاصطناعي؛ التقنية جوار الإبداع الإنساني، الكاتب إلى جانب الروبوت، لا يلغي أحدهما الآخر.
وباعتبار أن المسرح في حد ذاته فن تفاعلي؛ يلتف زوار المكان حول أكثر من عرض، أحدها يتحدث فيه حي بن يقظان عن الفلسفة والمعرفة، في مواجهة الفتاة التي تريه التجربة وأثرها، ليندمج الاثنان في العالم التجريبي والعالم الروحاني، فلا يلغي أحدهما الآخر؛ العلوم والأفكار تتلاقى في كل حين وتتصالح.
أما الفعالية التي كانت من حظ الكُتاب، فهي الطاولة التي تجمع كاتبًا بقارئ واحد، لا مجال هنا للمنصات، لا تعالي لا أبراج عاجية، إنما حوار في صالح الاثنين، يتعرف الكاتب على القارئ مثلما يعرف الأخير الأول.

نجح المهرجان في دورته الثالثة التي عقدت علة مدار أسبوع من التاسع من يناير حتى 15 من ذات الشهر، في تحقيق هدفه المتمثل في أن يعيش كل زائر ومهتم بالثقافة بأسلوب إبداعي وأن يتجوّل في عوالم الثقافة من الدرب إلى الفناء، ومن المطل إلى صرح محمد الثبيتي إلى عروض تفاعلية تتحوّل لتجربة، وحفلات غنائية، وأمسيات شعرية.