في وسط البلد حيث المباني الشامخة، تقع عمارة ستراند في منطقة باب اللوق بحي عابدين، وتطل على شارع التحرير بالقرب من محطة مترو محمد نجيب، ضمن نطاق المباني ذات القيمة العمرانية في وسط المدينة، وتعد العمارة من أقدم المباني في منطقة باب اللوق، إذ يعود تاريخ إنشائها إلى ما قبل ثورة 23 يوليو 1952.
أرقى مبان وسط البلد
ويرتبط اسم العمارة بتاريخها، وكانت في الأصل تضم سينما ستراند، قبل أن يعاد توظيف المبنى ليصبح عمارة سكنية وتجارية، ثم تتنوع استخداماته لاحقًا لتشمل المحال والعيادات والأنشطة المهنية المختلفة.
وخلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كانت عمارة ستراند من أرقى المباني في وسط القاهرة، وتميزت بموقعها وتصميمها، ما جعلها تنافس عددًا من العمارات الشهيرة في منطقة وسط البلد آنذاك.
سكنها مشاهير الفن
وبناءً على شهادات متداولة بين سكان قدامى وباحثين في تاريخ المنطقة، ارتبطت العمارة في فترات سابقة بإقامة عدد من الفنانين والشخصيات المعروفة، من بينهم المطرب محمود الشريف، أحد أبرز مطربي منتصف القرن العشرين، والملحن إسلام فارس، من موزعي ومؤلفي الموسيقى الشعبية، إلى جانب الفنان الراحل صلاح ذو الفقار، أحد أشهر نجوم السينما المصرية في القرن العشرين.
حولها الزمن لعيادات ومحال تجارية
ستراند كانت في الماضي سكنًا راقيًا لشخصيات فنية وشعبية، إلا أن طبيعة استخدامها تغيرت بمرور الوقت، وتراجع السكن التقليدي لصالح الأنشطة التجارية والمهنية.
وفي الوقت الحاضر، يغلب على استخدام عمارة ستراند الطابع التجاري، إذ تضم عددًا كبيرًا من عيادات الأطباء والمحلات والأنشطة الاستثمارية المختلفة، ويشير سكان قدماء إلى أن العمارة كانت تحظى في السابق بصيانة جيدة وتضم عدة مصاعد، غير أن تغير نمط الاستخدام أدى إلى تراجع حالتها التخطيطية والمعمارية.
عمارة حديثة نسبيًا وغير مسجلة
وفي هذا السياق، أكدت الدكتورة سهير حواس، أستاذة العمارة والتخطيط العمراني بكلية الهندسة جامعة القاهرة، أن عمارة ستراند تعد من المباني الحديثة نسبيًا، وليست من المباني المسجلة ضمن قائمة التراث، موضحة أن تاريخ إنشائها يعود إلى خمسينيات القرن الماضي، وهو ما يضعها ضمن فئة العمارات الحديثة من الناحية العمرانية.
وأشارت، إلى أن شهرة العمارة ارتبطت بتحولها إلى ما يعرف بعمارة الأطباء، وامتلأت واجهاتها بلافتات العيادات وأسماء الأطباء، ما أدى إلى طمس ملامحها المعمارية الأصلية، لدرجة أن كثيرين لا يعرفون شكلها الحقيقي قبل هذا الاستخدام المكثف.
وأضافت أنه خلال مشروع إحياء المنطقة جرى إزالة عدد من هذه اللافتات، إلا أنها عادت للظهور مرة أخرى لاحقًا.
وأوضحت أن العمارة أُنشئت في الأساس كمبنى سكني عادي، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى استخدامات تجارية، غالبيتها عيادات طبية ومكاتب، بالتزامن مع هجرة السكان الأصليين من منطقة وسط البلد، وهو ما حدث في عدد كبير من عمارات المنطقة التي تغير نمط استخدامها بمرور الوقت.
كثافة عالية واستخدام مكثف
وأكدت الدكتور سهير حواس، أن الكثافة العالية للعيادات والمكاتب داخل العمارة تجعل من الصعب عودتها إلى الاستخدام السكني مرة أخرى، لافتة إلى أن هذا الاستخدام المكثف حال دون إزالة موقف السيارات الموجود في وسط ميدان باب اللوق، حيث يعتمد الأطباء على حجز أماكن انتظار بشكل شهري، بينما يواجه الزوار والمرضى صعوبة كبيرة في إيجاد أماكن للسيارات، ما يدفعهم إلى استخدام جراجات قريبة مثل جراج البستان.
وأضافت “حواس”، أن عمارة ستراند تعد من المباني ذات معدلات التردد المرتفعة للغاية، ما يشكل ضغطًا مستمرًا على المنطقة المحيطة بها، خاصة ميدان باب اللوق.
وفيما يتعلق بالمخاطر المحتملة، أوضحت أن الأمر يتطلب مراجعة دورية من الدفاع المدني للتأكد من توافر اشتراطات السلامة، بما في ذلك سلامة المصاعد، وعدم غلق مسالك الهروب، وتوافر الصيانة الدورية، فضلًا عن ضرورة وجود منظومة نظافة خاصة تتناسب مع كثافة الاستخدام، إلى جانب نظام فعال لجمع القمامة يحافظ على المظهر العام للمبنى.
كما شددت على أهمية التأكد من وجود اتحاد شاغلين يدير شؤون المبنى، مؤكدة أن المباني الكبيرة من هذا النوع تحتاج إلى مراجعة مستمرة للقواعد العامة الخاصة بالإدارة والصيانة والسلامة. وحول إمكانية تسجيل العمارة كمبنى تراثي، أكدت أنه لا يمكن تسجيل عمارة ستراند ضمن المباني التراثية.