في اللحظة التي يعلن فيها ثبوت الرؤية، تفيض الشوارع بالبهجة، و تتلون البيوت بزينة الفرح، لكن خلف الأبواب المغلقة، ثمة غصة مكتومة تزاحم دعاء “اللهم بلغنا”، فبالنسبة للكثيرين، رمضان ليس مجرد شهر للصيام والقيام، بل هو “تقويم للحنين” يفتح جرحاً ظنوا أنها التأمت، ليعيد تذكيرهم بمن كانوا يملأون البيت صخباً وحياة، واليوم.. غابوا.
طقوس الحنين.. الملعقة التي لا تتحرك
الفقد في رمضان له طعم مختلف، هو ليس حزناً عابراً، بل هو تفاصيل صغيرة تجلد الروح بلطف، هي “رشة الملح” التي كان يحبها الراحل، هي “الكرسي” الذي نتحاشى النظر إليه وقت الإفطار، وهي تلك المكالمة التي ننتظرها غريزياً عند أذان المغرب ثم نتذكر بمرارة أنها لن تأتي أبداً.
هذه “رحلة الفقد” التي يعيشها مئات الآلاف كل عام؛ حيث يتحول رمضان من مناسبة اجتماعية صاخبة إلى مواجهة مباشرة مع الفراغ، نحن لا نفتقد الشخص فقط، بل نفتقد أنفسنا في وجوده، نفتقد “الونس” الذي كان يجعل للتمر طعماً أحلى و للسهر معنى أعمق.
بين الرضا والوجع.. صراع القلب
غالباً ما يشعر من يعيشون هذه التجربة بنوع من “الذنب الخفي”؛ هل يحق لهم الحزن في شهر الفرح؟ هل يفسد بكاؤهم قدسية الصيام؟ الحقيقة أن الإسلام، برحمته، لم يطلب منا أن نكون آلات صماء، الحزن هنا ليس اعتراضاً على القدر، بل هو دليل على نبل المحبة، إنها رحلة يحاول فيها المرء أن يوازن بين دمعة تنهمر شوقاً، ودعاء يرتفع أملاً في اللقاء.
كيف ننجو؟
النجاة في رمضان “الناقص” لا تكون بتجاهل الفقد، بل باحتضانه، اجعل لهم مقعداً في دعائك: بدل أن يكون غيابهم فجوة، اجعله جسراً كل سجدة هي رسالة حب ترسلها لهم.
صدقة “باسمهم”: أن تطعم مسكيناً بنية من غاب، يمنحك شعوراً بأن أثرهم لا يزال حياً بيننا.
لا تقاوم حزنك: ابكي إذا احتجت، وتحدث عنهم على السفرة، اذكر نوادرهم و ضحكاتهم، الحزن يقل حين نتشاركه، والذكرى تظل حية بالحديث.
ختاماً.. سيبقى رمضان دائماً محطة لاختبار صبرنا و قدرتنا على الاستمرار رغم الثقوب التي تركها الراحلون في أرواحنا، ربما لن يعود رمضان كما كان، وربما ستظل هناك غصة مع كل “كل سنة وأنت/ي طيب/ ـة”، لكننا نتعلم أن الغائبين لا يرحلون تماماً؛ هم يسكنون في تفاصيل العبادة، وفي ثنايا الدعوات، وفي انتظارنا الواثق بأن اللقاء الحقيقي سيكون هناك.. حيث لا فقد ولا غياب.