بعد سنوات من إلغاء وزارة الإعلام وتوزيع سلطاتها على ثلاث هيئات مستقلة، ظهر اليوم وزير إعلام جديد رسميًا. هذا التغيير يفتح سؤالًا صريحًا لا يمكن تجاهله: إذا كانت الهيئات الثلاث قد أُنشئت أصلًا لاستبدال الوزير وتوزيع المسؤولية، فلماذا نعود إليه الآن؟ وهل كانت هذه الهيئات قادرة على إدارة المشهد الإعلامي وتحقيق أهدافها، أم أن الواقع كشف عجزها أمام التحديات؟ عودة الوزير ليست مجرد تعديل وزاري، بل اعتراف ضمني بأن التجربة المؤسسية لم تحقق ما كان مأمولًا، وتطرح تساؤلات جذرية عن جدوى الإبقاء عليهم.
وفي النهاية، إذا كانت الهيئات الثلاث لم تثبت قدرتها على القيادة والإدارة، فوجودها اليوم صار بلا معنى، وعودة الوزير تؤكد أن التجربة كلها كانت محاولة فاشلة لإعادة توزيع الأدوار بلا نتائج حقيقية. السؤال الصريح الذي يفرض نفسه الآن: إذا كانت الهيئات عاجزة، فلماذا يستمر الإبقاء عليهم؟
الفكرة الرسمية لإنشاء الهيئات كانت فصل الإدارة عن التنظيم ومنح المؤسسات الصحفية والإعلامية استقلالية أكبر. المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام كان من المفترض أن يضع الضوابط والقوانين، والهيئة الوطنية للصحافة تتولى إدارة الصحف القومية، بينما تشرف الهيئة الوطنية للإعلام على التلفزيون والإذاعة. لكن الواقع يشير إلى العكس. المؤسسات الإعلامية القومية ما زالت تعاني أزمات مالية وإدارية متراكمة، وتراجعًا في تأثيرها الجماهيري، فيما بدا المشهد الإعلامي الرسمي مرتبكًا، تتداخل فيه الاختصاصات، وتضيع المسؤولية بين أكثر من جهة.
حين تتوزع السلطة بين ثلاث هيئات، من يتحمل المسؤولية الحقيقية أمام الرأي العام؟ ومن يجيب عن الأخطاء أو الإخفاقات؟ وجود وزير إعلام واضح يمكن مساءلته سياسيًا وبرلمانيًا يعطي المشهد وضوحًا، بينما الهيئات وحدها لم تنجح في تحقيق هذا المبدأ الأساسي للمساءلة.
عودة الوزير الرسمي اليوم تفرض مراجعة شاملة: هل كانت الهيئات الثلاث قادرة على إدارة الإعلام بشكل مستقل؟ أم أن وجودها طوال السنوات الماضية لم يكن سوى محاولة لإعادة توزيع السلطة دون نتائج ملموسة؟ استمرار الهيئات في ظل وزير جديد يطرح علامة استفهام عن جدوى هذه الكيانات، ويؤكد الحاجة لإعادة النظر في فلسفة الإدارة الإعلامية بأكملها.
المسألة ليست فقط اسم المنصب أو عدد الكيانات، بل كفاءة الإدارة ووضوح الرؤية. أي إصلاح حقيقي يتطلب إما هيئات مستقلة قادرة على الإدارة والمساءلة، أو وزارة تتولى المسؤولية كاملة بوضوح. الإبقاء على الهيئات الثلاث في ظل وجود وزير جديد دون مراجعة حقيقية يعني تكرار نفس التجربة الفاشلة، بأسماء مختلفة، دون نتائج تُذكر.