بعد تصويت مجلس الأمن الدولي لصالح خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسلام في قطاع غزة، يظل مصير الدولة الفلسطينية ومستقبل حل الدولتين موضوعاً غامضاً ومفتوحاً على كل الاحتمالات.
ويشير القرار إلى حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وإقامة دولة فلسطينية مستقبلية، لكنه لم يضع جدولاً زمنياً واضحاً، أو ملامح دقيقة لشكل الدولة وحدودها وآليات إنشائها، ما يترك تنفيذ هذا المسار مرتبطاً بجهود دولية وفلسطينية معقدة ومتشابكة.
وفي الوقت الذي يظل فيه القرار رمزياً أكثر منه عملياً، تتجلى التحديات على الأرض من خلال عدم التزام إسرائيل بوقف إطلاق النار وعرقلة عمليات إعادة الإعمار في غزة، إضافة إلى الانقسام الفلسطيني الداخلي وصعوبة إصلاح السلطة الفلسطينية بشكل يسمح لها بالتحرك كطرف موحد. ويظل المستقبل الفلسطيني معلقاً بين إشارات دولية غامضة ووعود أمريكية غير مضمونة، وسط حاجة عاجلة لحوار شامل بين السلطة وحركة حماس وبقية الفصائل لترتيب البيت الفلسطيني الداخلي قبل أي خطوات تنفيذية.
كل هذه التحليلات والقراءات جاءت على لسان الخبير الفلسطيني د. أيمن الرقب والسفير رخا أحمد، اللذين أكدا أن الإشارة لمصير الدولة الفلسطينية في القرار مهمة رمزياً، لكنها تبقى غامضة ومفتوحة على سنوات من المفاوضات دون وضوح بشأن الشكل أو الجدول الزمني لإنشاء الدولة.
غياب الجدول الزمني وآلية إنشاء الدولة
قال د. أيمن الرقب، الخبير الفلسطيني، خلال حديثه لموقع “القصة”، إن النص المتعلق بالدولة الفلسطينية لم يتناول بشكل محدد زمن إنشاء الدولة أو آليات قيامها؛ إذ يشير النص إلى حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وإقامة دولة فلسطينية مستقبلية، لكنه لم يضع أي جدول زمني لإنشائها، ولم يوضح شكل الدولة أو حدودها أو تفاصيل إنشائها. لذلك، يبقى هذا الملف في بداياته، ولا يمكن التكهن بمستقبل الموقف وما إذا كنا سنشهد تغيرات حقيقية، فهذا الشعار قد يستمر سنوات طويلة دون أن يؤدي إلى موقف عملي محدد.
وأضاف الرقب أن الخطة تتعلق بخطة ترامب لعام 2020، المعروفة بصفقة القرن، والتي تحدثت عن ضم مساحات من الضفة الغربية، خاصة مناطق المستوطنات الكبرى، مع إبقاء المدن المتصلة بعضها ببعض، بينما تكون غزة بلا احتلال مع توسيعها جغرافياً. وبذلك، لم يوضح القرار الدولي الرؤية بشكل كامل لحل الدولتين؛ فالإشارة موجودة، لكن لم يتم تفصيل آليات تحقيقها. لذلك، من السابق لأوانه القول إن دولة فلسطينية ستقام خلال السنوات المقبلة، سواء خلال 3 أو 5 أو 10 أعوام، خاصة أن المجلس شُكّل لفترات متعددة متفاوتة بين 20 يوماً وسنتين، مع إمكانية التمديد مرات عدة دون أي سقف زمني محدد.
وتابع بأن “الإشارة إلى الدولة الفلسطينية كمفهوم تمثل تطوراً في الفكر الدولي باتجاه الصراع الفلسطيني، لكنها لم تحدد ملامح الدولة أو شكلها، ولا كيفية تحقيقها على الأرض”.
غياب الرؤية الفلسطينية أمام صناعة القرار الدولي
وأضاف الرقب أنه “من المؤسف أن يصل الأمر بصناع القرار الدوليين إلى مناقشة مستقبل الشعب الفلسطيني بينما نحن منقسمون وغائبون عن هذه الأحداث، دون وجود رؤية واضحة لآليات الخروج من هذا المأزق وترتيب البيت الفلسطيني. ومع ذلك، فالتأخر أفضل من الانعدام التام، إذ ما زالت هناك فرصة للفصائل الفلسطينية للاجتماع في الأيام القادمة واتخاذ قرارات بشأن ملفات حساسة مثل تشكيل التكنوقراط، وهيكلة الشرطة الفلسطينية، ونزع السلاح. هذا يتطلب ترتيباً فلسطينياً داخلياً شاملاً”.
وتابع: “العلاقة الفلسطينية متوترة، وحركة حماس مهددة بالخروج من المشهد السياسي، لذلك يجب فتح حوار واضح بين السلطة الفلسطينية وحماس وبقية الفصائل. ينبغي دعوة كافة الفصائل للاجتماع في القاهرة، لأن حماس جزء من النظام الفلسطيني، ويجب أن يتم التواصل معها لضمان ترتيب البيت الفلسطيني. الأوان قد حان لتجاوز الخلافات السابقة، وعلى السلطة وحماس العمل معاً لتطوير رؤية استراتيجية مشتركة”.
كما أوضح: “النص يشير إلى حق الشعب الفلسطيني، بعد إصلاح السلطة وتجاوز العقبات الداخلية، في تقرير مصيره وإقامة دولة فلسطينية، كما يشير إلى جهود الولايات المتحدة لعقد لقاءات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، إلا أن الجانب الإسرائيلي المعارض لحل الدولتين لا يمثل شريكاً فعالاً في هذه العملية، مما يضع مسؤولية أكبر على الإدارة الأمريكية لتحقيق أي تقدم على الأرض”.
الغموض في الإصلاح الفلسطيني والالتزام الدولي
وأكد الرقب، خلال حديثه، أن الإشارة في مشروع القرار الأمريكي لمجلس الأمن تحتاج إلى توضيح، لأن الفقرة غامضة، وأن القرار يشترط إصلاح السلطة الفلسطينية دون تحديد نوعية هذا الإصلاح. هل يشمل الانتخابات العامة على كافة المستويات؟ وإذا جرت الانتخابات، ما وضع حركة حماس كتنظيم سياسي؟ وهل الظروف الحالية تسمح بإجراء الانتخابات في غزة خلال سنة أو سنتين أو ثلاث؟ الأمر غير واضح؛ فالقرار يكتفي بالإشارة إلى أن السلطة يجب أن تصلح نفسها، وعندما يحدث ذلك، يمكنها إدارة قطاع غزة وتمكين الشعب الفلسطيني من حق تقرير المصير”.
وأضاف: “لا يوجد التزام محدد، وكل شيء يعتمد على موقف الولايات المتحدة والدول الضامنة. تم وضع هذا البند لإرضاء الدول العربية والإسلامية الضامنة، لكن هل سيتم الالتزام به؟ في ظل الحكومة الإسرائيلية الرافضة لإنشاء الدولة الفلسطينية بأي شكل، وحتى تصريحات بعض المسؤولين الذين هددوا محمود عباس، فإن التقدم في مسار الدولة الفلسطينية يبدو صعباً جداً. كما أن القرار لا يحتوي على ضمانات واضحة لانسحاب القوات الإسرائيلية ولا آليات إعادة الإعمار، سواء وفق الخطة العربية الإسلامية المقدمة من مصر، أو خطة الرئيس ترامب التي صاغها كوشنر وتوني بلير، ما يستدعي جهوداً دولية كبيرة لضمان عدم فصل غزة عن الضفة الغربية”.
مشروع القرار الأمريكي حول غزة مليء بالغموض
وفي سياق آخر، حذر السفير رخا أحمد حسن، عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، من أن مشروع القرار الذي قدمته الولايات المتحدة واعتمده مجلس الأمن بشأن غزة، لا يزال يحمل العديد من نقاط الغموض، خصوصاً المتعلقة بمستقبل الدولة الفلسطينية وإعادة إعمار القطاع، معتبراً أن غياب الضمانات يجعل تنفيذ بنوده رهيناً بالمواقف السياسية وليس بالالتزامات الدولية.
كما أشار السفير رخا لموقع “القصة” إلى أن النص الخاص بالدولة الفلسطينية جاء بصياغة غير واضحة، إذ اشترط القرار “إصلاح السلطة الفلسطينية” دون تحديد طبيعة هذا الإصلاح أو آلياته.
وتساءل: هل يقصد بذلك إجراء انتخابات عامة؟ وما هو وضع حركة “حماس” إذا أجريت الانتخابات؟ وهل تسمح الظروف الحالية بإجراء انتخابات خلال السنوات القريبة في قطاع غزة؟
وأكد أن القرار اكتفى بطرح فكرة الإصلاح دون تحديد مسار سياسي أو زمني واضح، مكتفياً بالتلميح إلى أن هذا الإصلاح سيتيح للسلطة إدارة القطاع ويمكن الشعب الفلسطيني من حق تقرير المصير.
غياب التزامات واضحة
وشدد السفير رخا على أن المشروع يفتقر إلى أي التزام صريح من الأطراف الدولية، معتبراً أن الولايات المتحدة وضعت بعض البنود “ترضية للدول العربية والإسلامية”، لكنه طرح سؤالاً محورياً: هل ستلتزم واشنطن بما تضمنه القرار؟
وقال إن الموقف الإسرائيلي ينسف أي آمال في ذلك، خاصة بعد إعلان الحكومة الإسرائيلية رفضها القاطع لإقامة دولة فلسطينية، وتصريحات أحد وزرائها التي وصلت حد التهديد بقتل الرئيس محمود عباس أو اعتقاله.
كما أوضح السفير أن القرار لم يحدد ما هو “الإصلاح” المطلوب من السلطة الفلسطينية، معتبراً أن غياب التفسير يفتح الباب أمام استغلال هذا البند سياسياً.
ولفت إلى أن القرار لم يتضمن أي ضمانات تلزم إسرائيل بالانسحاب من قطاع غزة أو وقف عملياتها، ما يجعل المسار السياسي “معلقاً بلا أدوات تنفيذ”.
إعادة الإعمار
وفيما يتعلق بإعادة إعمار غزة، وصف السفير رخا المشهد بأنه “ضبابي”، حيث لم يحدد القرار المرجعية التي ستتم على أساسها عملية الإعمار: هل هي الخطة العربية الإسلامية التي قدمتها مصر؟ أم خطة الرئيس ترامب التي أعدها فريقه السياسي بقيادة كوشنر وتوني بلير وتوني هال؟
وحذر من أن غياب التنسيق الجاد قد يؤدي إلى فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، ما يهدد القضية الفلسطينية برمتها.
لماذا اعترضت روسيا على القرار؟
وكشف السفير أن غياب التفاصيل الواضحة كان سبباً رئيسياً في اعتراض روسيا على مشروع القرار، خاصة أن “مجلس السلام” – الذي ستناط به إدارة مسار القوات الدولية وإعادة الإعمار – سيكون برئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو ما يثير مخاوف من تحيز عملية التنفيذ لصالح إسرائيل.
وقال السفير رخا إن إسرائيل لم تلتزم أساساً ببنود المرحلة الأولى من الاتفاق، سواء وقف إطلاق النار أو إدخال المساعدات أو احترام تحركات المدنيين داخل القطاع. وأضاف أن إسرائيل قتلت عشرة فلسطينيين اليوم فقط، إلى جانب عمليات في جنوب لبنان، فضلاً عن استمرارها في تدمير المنازل بشكل يومي، بما يؤكد – على حد قوله – أنها “لا تريد الانتقال إلى المرحلة الثانية ولا تسعى أصلاً لإعادة إعمار القطاع”.
دعوة إلى دور قوي من الدول الضامنة
واختتم السفير رخا بالتأكيد على أن تنفيذ الخطة الأمريكية كما وردت في قرار مجلس الأمن يحتاج إلى دور قوي وفاعل من الدول الضامنة، محذراً من أن تفسير بنود القرار لصالح إسرائيل، دون ممارسة ضغوط دولية حقيقية، يمثل “خطورة بالغة” على مستقبل غزة والعملية السياسية برمتها.
رغم اعتماد مجلس الأمن الدولي لخطة ترامب، فإن غياب الجدول الزمني الواضح، والغموض في تحديد ملامح الدولة الفلسطينية، والتحديات الداخلية الفلسطينية، وعدم التزام إسرائيل، يجعل من الصعب التكهن بمصير الدولة الفلسطينية على المدى القريب أو المتوسط.
ويبدو أن أي تقدم على الأرض مرتبط بالجهود الفلسطينية الداخلية، وبالتفاعل الحقيقي للدول الضامنة، وبقدرة الولايات المتحدة على فرض التزاماتها على الحكومة الإسرائيلية، وسط استمرار الانقسام الفلسطيني والصعوبات الأمنية والاقتصادية في قطاع غزة.