في الضفة الغربية، بعيدًا عن أضواء غزة، تُكتب قصة أخرى للصراع هنا، لا انفجارات ضخمة، ولا صواريخ تتصدر الأخبار العالمية، لكن هناك عنف يومي، صامت، مدعوم رسميًا، يترك أثره على كل بيت فلسطيني وكل شجرة زيتون.
هذه هي قصة فتيان التلال (Hilltop Youth)، جماعة شبابية مستوطنة متطرفة، تفرض منطقها بالعنف على الأرض، ويأتي الدعم الرسمي من الحكومة الإسرائيلية ليجعل أعمالها شبه مشروعة؛ الملف الذي بين يديك هو صورة كاملة للواقع: من هم هؤلاء الشباب، ماذا يفعلون، من يدعمهم، وما الأثر الإنساني على الفلسطينيين.
من هم فتيان التلال؟
فتيان التلال ليسوا منظمة مركزية، بل شبكة شبابية متطرفة، غالبهم في سن المراهقة أو أوائل العشرينات، ينتمون لمستوطنات مثل يتسهار وييتسحار، ويعيشون في تلال صغيرة أو “بؤر” استيطانية خارجة عن القانون الإسرائيلي.
حسب تقرير وزارة الخزانة الأمريكية (أكتوبر 2024)، تم تصنيفهم كجماعة “متطرفة عنيفة” ارتكبت عدة هجمات ضد الفلسطينيين، مدمرةً منازلهم وممتلكاتهم.
التسمية الأخرى لهذه الاعتداءات هي “ثمن (Price Tag)”، حيث يُترك على الجدران شعارات عنصرية بعد كل هجوم: «الموت للعرب»، «ثمن يُدفع»… لتكون رسالة للآخرين: الأرض لن تبقى لكم.
أيديولوجيا فتيان التلال
أفكار هؤلاء الشباب ترتكز على اعتقاد أن كل الأراضي الفلسطينية ملك لليهود، وأن الفلسطينيين عائق يجب التخلص منه أو إخضاعه؛ الاعتداءات تشمل حرق الأشجار والمزارع، خصوصًا زيتون الفلسطينيين.
اقتحام المنازل والمركبات ليلاً وكتابة شعارات عنصرية؛ استخدام السلاح والحجارة ضد الفلسطينيين دون مساءلة، التقارير الحقوقية تُشير إلى أن العنف أصبح منظمًا ومدعومًا سياسيًا، ولم يعد مجرد مراهقة متطرفة.
أبرز الانتهاكات
حرق أراضٍ ومزارع فلسطينية: أكثر من 1,400 هجمة موثقة في الضفة خلال عام واحد، أدت إلى تدمير آلاف الأشجار والمنازل.
الاعتداء على المدنيين الفلسطينيين: أطفال ونساء يمارسون حياتهم اليومية تحت تهديد مستمر.
التهجير البطيء: أكثر من 4,500 فلسطيني اضطروا للنزوح نتيجة هجمات المستوطنين.
إطلاق النار على المدنيين: تم توثيق عدة حالات أصيب فيها فلسطينيون خلال هجمات ليلية، بعضهم بجروح خطيرة.
الدعم الرسمي
أصبح العنف شبه رسمي، عندما أعلن وزير الأمن الإسرائيلي إيتمار بن غفير عن تسليح المستوطنين بشكل واسع منذ حرب غزة 2023، أكثر من 120,000 قطعة سلاح وزعت على المستوطنين، تعديل ميزانية الحكومة خصص مئات ملايين الشواكل لتسليح فرق الحراسة المستوطنية.
الشرطة الإسرائيلية تحت إشراف بن غفير شكلت وحدات خاصة من المستوطنين لمواجهة الفلسطينيين، ما أعطاهم غطاء شبه رسمي لتنفيذ هجمات، نتيجة هذا الدعم؛ أصبحت القرى الفلسطينية في الضفة مواقع لا آمنة، المستوطن يهاجم بلا عقاب، والفلسطيني بلا حماية.
غياب العدالة والمحاسبة
رغم الوثائق والأدلة، فتيان التلال نادراً ما يحاسبون، فالحركة لامركزية، ما يجعل ملاحقتها قانونيا صعبة، والشرطة الإسرائيلية غالباً ما لا تنفذ تحقيقات فعالة، وأجهزة الأمن تحذر من أن الإرهاب اليهودي أصبح خارج السيطرة.
التأثير الإنساني
الأرقام وحدها لا تصف الواقع، أطفال لا يخرجون للمدارس خوفاً من الاعتداءات.
مزارعون يفقدون أشجارهم الزيتونية وحياتهم الاقتصادية.
عائلات تُهجر تدريجيًا من منازلها في مناطق “ج” بعد سلسلة هجمات لم تحاسب.
كل شجرة محترقة، كل بيت مُهدم، كل طفل مصاب هو حياة فلسطينية تتأثر مباشرة بالعنف المدعوم رسميًا.
لماذا هذا الملف الآن؟
لأن الضفة الغربية تتحول إلى ميدان «الهجوم البطيء»، بينما كل العالم تابع الحرب في غزة، هنا يستمر التهجير، التوسع، العنف، خفايا تكتب بصمت، والعدالة تغيب.
تحول فتيان التلال إلى ذراعٍ حقيقية في الاستيطان والعنف، ليس مجرد فعل فردي بل جزء من منظومة تدعمها وتغذيها القرار الحكومي، وإذا لم نكتب، لن يُكتب التاريخ، وستبقى الذاكرة الفلسطينية، مثل شجرة الزيتون المحروقة، شاهدة بلا من يشهد معها.
حين تتحول الأرض إلى ساحة خوف
فتيان التلال أصبحوا قوة فعلية على الأرض، مدعومة رسميًا، و مستفيدين من غياب العدالة الدولية، الفلسطينيون يعيشون تحت تهديد دائم، والعالم يراقب غالباً من بعيد.
هذا الملف ليس مجرد سرد للأرقام، بل تذكير بصوت الصحافة الإنسانية، بأن كل بيت محترق، وكل شجرة زيتون محروقة، وكل حياة فلسطينية تتأثر هي شهادة حية على استمرار الاحتلال والعنف شبه الرسمي في قلب الضفة الغربية.