في وقتٍ تتصاعد فيه المواجهة في الشرق الأوسط، وتتعقد فيه معادلات الصراع بين الضغوط الاقتصادية والتهديدات العسكرية، يبرز سؤال جوهري: هل نجحت العقوبات في كبح إيران أم أسهمت في إعادة تشكيل نفوذها الإقليمي؟
فبعد عقود من الحصار والعقوبات المشددة، لم تتراجع طهران كما كان متوقعًا، بل واصلت تثبيت حضورها
نقدم في هذا التقرير قراءة قانونية وتحليلًا معمقًا لأسباب فشل العقوبات في احتواء إيران، وخريطة نفوذها الإقليمي، وآليات تمويلها رغم الحصار.
العقوبات لم تحقق أهدافها بل عززت النفوذ الإيراني
وفي هذا السياق، قال الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام وعضو الجمعيتين الأمريكية والأوروبية للقانون الدولي لـ “القصة”، إن سياسة العقوبات الأمريكية والغربية المفروضة على إيران فشلت فشلًا ذريعًا في تحقيق أهدافها المعلنة، موضحًا أن هذه العقوبات، الممتدة لعقود، لم تُضعف النفوذ الإقليمي لطهران، بل دفعتها إلى تعزيز استراتيجيات التمدد غير المباشر عبر شبكات الوكلاء الإقليميين.
وحذر مهران، من أن الاستمرار في سياسة العقوبات دون التوصل إلى حل تفاوضي يحترم السيادة الإيرانية قد يدفع المنطقة نحو حرب إقليمية شاملة ذات تداعيات كارثية، موضحًا أن القانون الدولي يعترف بحق الدول في فرض عقوبات اقتصادية أحادية الجانب لكنه في المقابل يحظر العقوبات التي تصل إلى حد العقاب الجماعي للشعوب.
وأشار إلى أن العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية يكفل حق الشعوب في التنمية وفي مستوى معيشي لائق، مؤكدًا أن العقوبات الشاملة أضرت بالشعب الإيراني أكثر مما أضرت بالنظام السياسي.
شبكات النفوذ الإيراني.. واقع ميداني لا يمكن إنكاره
وتابع مهران، أن الواقع الميداني يثبت إخفاق العقوبات في احتواء النفوذ الإيراني، وتمتلك طهران اليوم نفوذًا سياسيًا وعسكريًا واسعًا في العراق عبر فصائل مسلحة موالية لها، وحضورًا عسكريًا استراتيجيًا في سوريا من خلال أحمد الشرع.
وأضاف مهران أن هناك نفوذًا متصاعدًا في اليمن عبر الحوثيين الذين يسيطرون على العاصمة صنعاء ومناطق واسعة.
كيف تمول إيران تمددها رغم العقوبات؟
وأشار الدكتور محمد مهران، إلد أن إيران طورت شبكة معقدة للالتفاف على العقوبات، تشمل تصدير النفط إلى الصين وبعض الدول الآسيوية بطرق غير مباشرة، والاعتماد على التحويلات المالية غير الرسمية خارج النظام المصرفي العالمي، بالإضافة إلى الحصول على دعم من حلفاء إقليميين، فضلا على اقتصاد داخلي قادر رغم الضغوط، على توفير موارد أساسية.
وأكد مهران أن المفاوضات النووية الجارية حاليًا في جنيف وإسطنبول تمثل الفرصة الأخيرة لتجنب حرب إقليمية واسعة، مشيرًا إلى أن إيران أبدت مرونة ملحوظة، في وقت تواصل فيه الولايات المتحدة وإسرائيل التلويح بالخيار العسكري.
وحذّر من أن أي استهداف للمنشآت النووية الإيرانية سيقابل برد عنيف، قد يشمل إغلاق مضيق هرمز واستهداف القواعد الأمريكية والمصالح الإسرائيلية في المنطقة
التفاوض وفق ميثاق الأمم المتحدة هو السبيل الوحيد
وأكد أستاذ القانون الدولي، أن الحل القانوني والعملي الوحيد يتمثل في التفاوض، مؤكدًا أن الأمم المتحدة وميثاقها يلزمان الدول بحل نزاعاتها بالطرق السلمية. ودعا إلى اتفاق شامل يراعي المخاوف الأمنية الإقليمية، ويحترم حق إيران في امتلاك برنامج نووي سلمي، مع ضمان عدم تحوله إلى أغراض عسكرية.
وأضاف، أن العقوبات أثبتت فشلها، وأن الحرب ستكون كارثية على المنطقة بأكملها، مشددًا على أن الدبلوماسية والتفاوض الجاد هما الخيار الوحيد القادر على تجنيب الشرق الأوسط مواجهة مفتوحة لا رابح فيها.
العقوبات بين الإضرار الاقتصادي والإخفاق السياسي
ومن جانبه، قال الدكتور علاء السعيد، الخبير في الشأن الإيراني لـ”القصة”، إن الحديث عن العقوبات بوصفها أداة لإضعاف إيران يحتاج إلى قدر كبير من إعادة النظر، ليس لأن هذه العقوبات لم تُلحق أذى حقيقيًا بالاقتصاد الإيراني، بل لأن أثرها السياسي والأمني جاء مغايرًا لما أرادته القوى التي فرضتها.
وأضاف، أن العقوبات أضعفت الداخل الإيراني اقتصاديًا، لكنها في المقابل دفعت النظام إلى تعميق اعتماده على شبكات النفوذ غير المباشر، وتحويل أدوات الضغط إلى أدوات انتشار، بما جعل طهران أقل اعتمادًا على قوتها التقليدية وأكثر استثمارًا في قوى محلية حليفة تتحرك داخل الدول العربية بأجندات متقاطعة مع مشروعها الإقليمي.
إعادة تشكيل الدور الإيراني بدل إنهائه
وأضاف السعيد، أن لم تُنهِ العقوبات الدور الإيراني، بل أعادت تشكيله. فإيران التي ضُيّق عليها ماليًا، اتجهت إلى نموذج أقل تكلفة وأكثر مرونة، يقوم على بناء شبكات نفوذ داخلية في بيئات هشة سياسيًا وأمنيًا، وهو ما يتجلى بوضوح في العراق وسوريا ولبنان
وتابع، في العراق، لم يعد النفوذ الإيراني مجرد علاقات سياسية مع قوى بعينها، بل تحول إلى بنية مركبة تشمل فصائل مسلحة، وأحزابًا سياسية، وشبكات اقتصادية موازية، قادرة على التأثير في القرار الرسمي وفي موازين القوة داخل الدولة.
وتحدث أيضا عن سوريا موضحاً أن في سوريا، فقد تجاوز الدور الإيراني حدود الدعم العسكري للنظام إلى بناء حضور طويل الأمد داخل البنية الأمنية والاقتصادية، بما يضمن لطهران موقعًا ثابتًا في معادلة ما بعد الحرب.
وقال إن لبنان أيضا تبرز نموذج حزب الله باعتباره المثال الأكثر اكتمالًا لنفوذ غير مباشر يمزج بين العمل العسكري والسياسي والاجتماعي في آن واحد.
من يموّل النفوذ الإيراني خارج الحدود؟
أكد الخبير في الشأن الإيراني، أنه لا يمكن اختزالها في مصدر واحد أو مسار مالي مباشر، إذ إن ما نشهده هو منظومة تمويل مركبة، تتوزع بين موارد الدولة الإيرانية، وشبكات اقتصادية رديفة، ودوائر تهريب وتجارة غير رسمية، إلى جانب استثمارات محلية داخل البيئات التي تنشط فيها هذه الشبكات.
نفوذ تفاعلي لا يقوم على التبعية المطلق
وأضاف، أن الأهم من التمويل ذاته، أن هذه الشبكات لا تتحرك فقط بدافع الدعم الإيراني المباشر، بل أيضًا بدافع مصالحها المحلية الخاصة. وهو ما يجعل النفوذ الإيراني في كثير من الأحيان نفوذًا تفاعليًا، يتغذى من تلاقي المصالح أكثر مما يقوم على علاقة تبعية كاملة.
عقوبات تُضعف الدولة ولا تُفكك النفوذ
وأوضح السعيد، من هنا يمكن القول إن العقوبات نجحت في إضعاف إيران كاقتصاد دولة، لكنها فشلت في تفكيكها كمنظومة نفوذ إقليمي بل إن هذه الضغوط ساهمت، بشكل غير مباشر، في دفع طهران إلى تبني نموذج أكثر تعقيدًا وأصعب في المواجهة، قائم على الفواعل غير الدولتية بدلًا من الصدام المباشر.
مرونة أعلى واحتواء
واستطرد أن، فهم إيران اليوم لا يمكن أن يتم عبر قراءة أرقام اقتصادها فقط، بل من خلال تحليل خرائط نفوذها غير المباشر، وشبكاتها العابرة للحدود، وقدرتها على تحويل الضغوط إلى فرص لإعادة التموضع.
وأكد كلما اشتدت العقوبات على طهران، ازداد اعتمادها على أدوات نفوذ غير تقليدية، وكلما تعقّدت هذه الأدوات، أصبح احتواء الدور الإيراني أكثر صعوبة، لا لأنه الأقوى اقتصاديًا، بل لأنه الأكثر مرونة في إدارة الصراع.