في قلب سيرة فيروز، بعيدًا عن الأضواء التي صنعت أسطورتها، يقيم وجه آخر غالبًا ما يُغفل: فيروز الأم. ليست الأمومة في حياتها تفصيلًا إنسانيًا مضافًا إلى مجد فني، بل كانت مشروع حياة موازٍ لمسيرتها الفنية، وربما أعظم منجزاتها الإنسانية.
من يقرأ حياة فيروز من هذا المدخل يدرك أن أعظم أدوارها لم تُؤدَّ على المسرح، بل في البيت، وفي الصمت، وفي الاحتمال الطويل، 69 سنة من عمرها البالغ 91 عامًا قضتها قي خدمة ورعاية نجلها “هلي” الذي رحل بالأمس ويدفن على عينها اليوم.
فيروز التي غنّت للقدس وللحب وللأوطان، عاشت حياتها الشخصية كسلسلة متصلة من الفقد.
فقدت شريك العمر والإبداع عاصي الرحباني وهي في ذروة عطائها، ثم ابنتها “ليال” في ريعان الشباب، ثم عاشت ترعى مسيرة زياد، الابن والرفيق الفني، من امتداد للحلم الرحباني إلى مسار خاص مثقل بالتمرد والتناقضات. وأخيرًا تفقد ابنها “هلي” الذي رافقته بصمت طويل على كرسي متحرّك.
ظلّت هي الحاضنة، الراعية، والوفية لأبنائها حتى آخر لحظة.
في كل هذه المحطات، لم تلجأ فيروز إلى الاستعراض، ولم تحوّل الألم إلى خطاب عام. ظلّت الحاضنة، الراعية، الوفية، تمارس أمومتها كما غنّت دائمًا: بهدوء، وبلا ضجيج، وبكثير من الكرامة. كأنها كانت تؤمن أن بعض الأدوار لا تُصفَّق لها الجماهير، لكنها تُكتب في سجلّ الخلود الإنساني.
هذه الأمومة ليست شخصية فقط، بل تحمل رمزية وطنية: فكما احتضنت أبناءها في صمت، احتضنت لبنان في زمن الانقسام، وغنّت له كأمٍّ كبرى تحاول أن تحفظ أبناءها من الضياع.
الأمومة عند فيروز هي استعارة عن الأرض التي تحتضن أبناءها مهما جار عليهم الزمن، وعن الذاكرة التي لا تنطفئ مهما توالت الخسارات.
رحيل “هلي” ووداعه اليوم لا يفتح جرحًا جديدًا فقط، بل يزيح الستار عن فصل قديم من ملحمة فيروز الرائعة: أمومة تتجاوز الأسطورة، حيث يتراجع الفن خطوة إلى الوراء، تتقدّم الأم. حيث تتجلّى أمومة فيروز كأعظم أدوارها، وكأن “جارة القمر” من دون أن تقول شيئًا، تُعيد تذكير العالم بحقيقة بسيطة: الفن يُخلِّد، لكن الأمومة تُقدَّس، لأنها وحدها تحفظ معنى الوطن والإنسان معًا.