أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

فيلم “الست”.. من يروي الحكاية الآن؟

محمد حماد

فيلم “الست” ليس مجرد عمل فني أثار جدلًا حول مستواه أو اختياراته الجمالية، بل تحوّل، من حيث لا يتوقع، إلى سؤال مفتوح عن شيء أعمق: من يملك اليوم حق رواية الحكاية؟ ومن يحدد كيف تُستعاد الرموز الكبرى، وفي أي سياق، وبأي منطق؟

القضية لم تعد محصورة في فيلم عن أم كلثوم، بقدر ما أصبحت مدخلًا للتأمل في تحولات أوسع تطال الذاكرة الفنية العربية نفسها، وفي الكيفية التي يُعاد بها تقديم التاريخ الثقافي في زمن تتغير فيه مراكز التأثير، وتُراجع فيه المدن أدوارها القديمة.

حين يُطرح هذا السؤال على هذا النحو، يصبح من الضروري النظر إلى الفيلم لا بوصفه حادثة فنية منفصلة، بل كجزء من سياق أوسع تتداخل فيه الثقافة بالاقتصاد، والرمز بحسابات الحاضر.

أخبار ذات صلة

images (3)
ريمونتادا عسكرية في قلب الدفاع الجوي.. الجيش الملكي يُنهي أحلام بيراميدز القارية بسيناريو مثير
IMG_2925
ثائر ديب يكتب عن أمه: شامةُ ثديها رايتي
IMG_2899
وداد نبي تكتب عن أمها: مرثية لزمنٍ لن يعود

فالأعمال التي تتناول شخصيات بحجم أم كلثوم لا تُنتج في فراغ، ولا تُستقبل خارج المناخ الذي وُلدت فيه. إنها، في الغالب، مرآة لتحولات أعمق في موقع القوة الناعمة، وفي طبيعة العلاقة بين المدينة التي صنعت الرمز، والفضاءات الجديدة التي تسعى اليوم إلى إعادة تقديمه وفق شروط مختلفة.

ولفهم هذا السياق، لا بد من العودة خطوة إلى الوراء، إلى اللحظة التي تشكّل فيها الدور الثقافي للقاهرة بوصفه دورًا مركزيًا لا ينازع.

هذه المكانة لم تُمنح لمصر بقرار سياسي، ولم تُصنع بوفرة المال، بل تراكمت عبر عقود من العمل الفني والمعرفي الذي جعل من القاهرة فضاءً طبيعيًا للإنتاج، ومختبرًا مفتوحًا للتجريب، ومنبرًا تتقاطع فيه اللهجات والأفكار والطبقات الاجتماعية.

في هذا المناخ وُلدت رموز بحجم أم كلثوم، لا كأصوات استثنائية فحسب، بل كتجسيد لحظة تاريخية كانت فيها المدينة قادرة على أن تُنصت لنفسها، وأن تُخاطب محيطها بثقة وعمق.

هذه القوة الناعمة لم تكن ترفًا ثقافيًا، بل كانت عنصرًا فاعلًا في موقع مصر الإقليمي. فقد صنعت السينما والغناء والمسرح صورة للقاهرة باعتبارها مركزًا للمعنى، ومصدرًا للذائقة، ومرجعًا للوجدان العربي. غير أن هذه المكانة، التي بُنيت بالتراكم، بدأت تتعرض للاهتزاز مع تراجع الاستثمار في الثقافة، وغياب مشروع واضح لحماية التراث الفني وإعادة إنتاجه، في ظل أزمات اقتصادية ضاغطة أضعفت قدرة المدينة على الاحتفاظ بدورها التاريخي.

في هذا الفراغ، تقدمت مراكز أخرى، مدفوعة برؤى جديدة واستثمارات ضخمة في مجالات الترفيه والثقافة. لم يكن هذا التقدم بالضرورة فعل إزاحة مقصودة، بقدر ما كان نتيجة منطقية لتحول موازين القوة والموارد.

فحين تتراجع المدينة عن دورها، لا يبقى الموقع شاغرًا طويلًا. وهكذا بدأت الرموز المصرية، بما تحمله من ثقل تاريخي، تُعاد صياغتها وتقديمها في فضاءات جديدة، وبمرجعيات مختلفة، وبحسابات لا تكون دائمًا فنية خالصة.

من هنا، يمكن قراءة فيلم «الست» بوصفه إحدى تجليات هذا التحول. فالمشكلة لم تكن في محاولة الاقتراب من سيرة أم كلثوم، بل في الطريقة التي جرى بها هذا الاقتراب، وفي النبرة التي فصلت الرمز عن سياقه، وقدّمته في صورة باهتة مشوشة حتة لا نقول مشوهة ، لا تُنصت إلى عمق اللحظة التي صنعته. وهو ما جعل الفيلم يبدو، في نظر كثيرين، كأنه إعادة سرد بلا ذاكرة.

ردّ الفعل الجماهيري، المتمثل في ضعف الإقبال على الفيلم، لم يكن إذن موقفًا انفعاليًا، بل تعبيرًا عن حساسية عميقة تجاه الرموز التي تتجاوز الفن إلى الهوية. فالجمهور المصري، رغم ما أصاب الصناعة من إنهاك، لا يزال يمتلك ذاكرة حية، ويميز بين إعادة قراءة التاريخ، وتسطيحه، وبين التفاعل مع الرمز، وتجريده من معناه.

في هذا المشهد، يجد الفنانون المصريون أنفسهم أمام معادلة دقيقة. فالانفتاح على فضاءات إنتاج جديدة قد يبدو، من حيث الظاهر، خيارًا مهنيًا مشروعًا، لكنه يحمل في طياته تبعات رمزية لا يمكن تجاهلها.

حين يتحول توصيف التحولات إلى خطاب يُكرّس تراجع القاهرة عن موقعها، يصبح الفنان، من دون قصد، شريكًا في إعادة رسم الخريطة الثقافية، لا مجرد شاهد عليها.

أم كلثوم، في النهاية، لم تكن مطربة عظيمة فحسب، بل كانت ذاكرة جمعية، وصوتًا ارتبط بلحظة تاريخية كاملة، وبفكرة الكرامة والهوية والمعنى. وأي محاولة لاستعادتها، خارج هذا العمق، محكوم عليها أن تبدو ناقصة، مبتورة عن سيافها، مهما حسنت النوايا وتعددت الإمكانات التقنية.

وهكذا، يتجاوز الحديث عن فيلم واحد ليصل إلى سؤال الذاكرة والرمز: من يروي الحكاية الآن؟ وهل ما تزال القاهرة قادرة على أن تحكي قصتها بنفسها، أم أنها ستكتفي بأن تُروى عنها من مسافة؟

إنها ليست معركة ضد أحد، بل لحظة اختبار لبلد صنع الوجدان العربي يومًا، وهو مطالب اليوم بأن يدافع عن ذاكرته، لا بالحنين، بل بمشروع ثقافي يعيد له حق السرد، قبل أن يصبح ذاكرته مجرد مادة لإعادة التأويل في أماكن أخرى.

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

IMG_2878
عماد أبو غازي يكتب: هذه هي أمي
مارسيل خليفة
مارسيل خليفة يكتب عن أمه: ماتيلدا
IMG_2880
إسراء حديري: ابني غير حياتي وأمي صنعت لي "حياة أوسع"
IMG_2881
رنا التونسي تكتب: أمهات ينظرن إلى العالم

أقرأ أيضًا

bc0b9f1c-abfa-4425-a08c-c93c9bee8443
الشاعر أحمد طه: عادت طفلة بجلباب أزرق
IMG_2913
رنا التونسي: إلى حياة طه.. أمي وقبلتي الأولى
6696aca5-5aba-4abc-a5b9-608fe6187567
إيمان عبد الرحيم تكتب: قسوة أمي المليئة بالحنان
الكاتبة هبة عبد العليم
الكاتبة هبة عبد العليم: تحكي عن أمها التي اشترت لها أول كتاب