بينما تتجه أنظار العالم نحو المتحف المصري الكبير، ذلك الصرح الذي طال انتظاره ليكون شاهدًا على عظمة الحضارة المصرية، هناك من يعمل في صمت خلف الكواليس، يحمل على عاتقه مهمة الحفاظ على روح الفن المصري القديم وإحيائه من جديد.
من بين هذه الأيادي المبدعة، تبرز شركة كنوز مصر للنماذج الأثرية، التي كان لها حضور مميز في الحدث، بمشاركتها بعدد من المستنسخات الفنية الدقيقة، أبرزها نموذج تابوت الملك توت عنخ آمون الذي لفت الأنظار في الافتتاح.
يقول محمد نصير أحمد، أخصائي ترميم الآثار بالشركة، في تصريح خاص لـ”القـصة”: إن “كنوز مصر” تُعد من الجهات الوطنية التي تعمل على إبراز الهوية المصرية وحماية التراث من خلال إنتاج نماذج أثرية مطابقة للأصل، بتفاصيل دقيقة تليق بتاريخ مصر، وتتم جميع مراحلها تحت إشراف وزارة السياحة والآثار.

وأضاف، أن كل قطعة تخرج من الشركة تحمل شهادة موثقة من المجلس الأعلى للآثار، تتضمن نبذة تاريخية عنها باللغتين العربية والإنجليزية، مؤكدًا أن الشركة تمتلك منافذ بيع داخل مواقع أثرية ومتاحف عديدة، مثل المتحف المصري بالتحرير، ومتحف الحضارة، ومنطقة الأهرامات، وقلعة صلاح الدين، ومعبدي الكرنك والأقصر، كما تُصدر بعض أعمالها إلى الخارج للترويج للحضارة المصرية في العالم.
فكرة مستوحاة من روح التاريخ
وأوضح نصير، أن فكرة المشاركة في افتتاح المتحف المصري الكبير انطلقت من داخل فريق العمل نفسه. وبعد نقاشات، وقع الاختيار على تابوت الملك توت عنخ آمون، لرمزيته في وجدان المصريين وارتباطه الوثيق بالمجموعة الأثرية المعروضة بالمتحف.
تم تنفيذ النموذج على مراحل دقيقة بدأت بالنحت مرورًا بعمليات الصب والاستنساخ والتزيين بورق الذهب، حتى خرج في صورة مطابقة للأصل. يقول نصير بابتسامة: “اشتغلنا وكأننا نعيد الزمن لورا، نحاول نقل روح القطعة وليس شكلها فقط”.
وأشار إلى أن التابوت الذهبي لاقى إعجابًا كبيرًا من الزوار والمتخصصين الذين تابعوا مراحل تصنيعه، مؤكدًا أن الشركة شاركت من قبل في عدد من الفعاليات الثقافية والرياضية والفنية، وقدمت نماذج أثرية كهدايا تذكارية في المهرجانات والاحتفالات الرسمية، دعمًا لفكرة الهوية المصرية ونشر الوعي بقيمة التراث الوطني.
الحفاظ على الحرف والهوية
تضم شركة كنوز مصر نحو 400 فنان وحرفي ومتخصص في مجالات الآثار والفنون الجميلة والتطبيقية، يعملون في ورشها بالمنطقة الصناعية بمدينة العبور على مساحة تصل إلى عشرة آلاف متر مربع.
وأكد نصير أن كل مراحل العمل تعتمد على الحرف اليدوية بالكامل، بدءًا من التصميم وحتى التنفيذ.
وتابع أن الشركة تلعب دورًا مهمًا في حماية الهوية الثقافية المصرية، عبر منع استنساخ القطع الأثرية خارج البلاد بطرق غير رسمية، ما يحافظ على أصالة التراث ويحميه من التشويه. كما تولي اهتمامًا خاصًا بتدريب الشباب على الحرف التقليدية لضمان استمرارها عبر الأجيال.
تُدار الشركة برؤية وطنية واضحة، إذ يترأس مجلس إدارتها اللواء هشام شعراوي، ويعاونه اللواء إيهاب ياسين نائبًا للرئيس، فيما يتولى هاني بدر منصب المدير التنفيذي.
ويضم الفريق التنفيذي مجموعة من الأسماء الشابة المتخصصة، منهم: محمد نصير، يسري سميح، أحمد جمال، أيمن سعيد، نبيل الأمير، محمد علي حسن، مدحت رشدي، حمدي أشرف، زياد نبيل، مينا سامي، ريحانة رضا، سارة خالد، يوسف جاد، محمد فارس، إجلال محمد، هاجر السيد، كمال أحمد، ورجب عبدة، إلى جانب نخبة من الحرفيين الذين صنعوا بفنهم بصمة خاصة في كل مشروع.
لمسة فنية في الدعوة الرسمية
ومن المهام المميزة التي أُسندت إلى الشركة تصميم الدعوة الرسمية لحفل افتتاح المتحف، والتي استُلهمت فكرتها من شكل تابوت توت عنخ آمون، لتجمع بين الأصالة والحداثة في آنٍ واحد.
تم تنفيذ التصميم تحت إشراف المدير التنفيذي هاني بدر، بمشاركة فريق فني عمل في وقتٍ ضيق وظروف مكثفة، لكن النتيجة جاءت مبهرة، وعكست روح الحدث ومكانته الثقافية.
تراث يتجدد ورؤية للمستقبل
وأكد نصير، أن المستنسخات الأثرية ليست مجرد تحف للزينة، بل وسيلة فعالة لتعريف العالم بالحضارة المصرية بطريقة عصرية.
وأضاف أن الشركة تعمل حاليًا على تطوير منتجات جديدة تمزج بين الفن المصري القديم والاستخدامات اليومية، مثل الديكورات والهدايا المنزلية، حتى يبقى التراث قريبًا من حياة الناس.
واختتم قائلًا: مشاركتنا في افتتاح المتحف المصري الكبير كانت شرف ومسؤولية في نفس الوقت، لأنها أكدت إن المصري لما يشتغل بإيده وعقله، بيقدر يقدم للعالم حاجة تفتخر بيها مصر.
هكذا، تثبت تجربة كنوز مصر للنماذج الأثرية أن وراء كل إنجاز وطني عظيم، هناك من يعمل في صمت ليصنع الجمال، ويعيد للتاريخ بريقه، فيبقى الإبداع شاهدًا على أن مصر لا تزال تنبض بحضارتها.. وبأبنائها المخلصين خلف الكواليس.




