قبل أذان المغرب بساعة تتحول شوارع تجارية في مناطق مرتفعة الكثافة السكانية إلى مساحات ضغط كبيرة الحركة لا تتباطأ، بل تتسارع وكأن الوقت نفسه يضيق هذا المشهد يتكرر يوميًا طوال الشهر ولا يرتبط بطقس رمضاني بقدر ما يرتبط بنمط عمل ممتد حتى اللحظة الأخيرة، وضغط اقتصادي لا يترك هامشاً للمناورة.
يشرح أحمد حمزاوي، عامل توصيل يعمل بنظام اليومية، لـ موقع “القصة“، كيف يتشكل يومه في رمضان: “أنا شغلي ما بيخلصش غير قبل المغرب بحاجة بسيطة لو سيبت الشغل بدري عشان أشتري، اليوم كله هيبوظ الزحمة دي مش عادة، دي نتيجة إحنا بنعيش على آخر الدقيقة”.
حديث أحمد يكشف أن زحام ما قبل الإفطار ليس سلوكًا فرديًا أو فوضويًا بل نتيجة مباشرة لإيقاع معيشة مفروض لا يسمح بالتخطيط أو التهدئة.
الشارع كبديل عن المساحة الخاصة
في هذه المناطق، لا يقتصر دور الشارع على كونه ممرًا، بل يتحول إلى مساحة معيشة رئيسية. الأسواق الأرصفة والمواصلات العامة تصبح امتدادًا للحياة اليومية خلال رمضان في ظل ضيق المساحات السكنية وغياب البدائل.
تقول عزيزة، ربة منزل وأم لأربعة أطفال في تصريح خاص لـ موقع “القصة“: البيت ضيق، ومفيش مساحة نخزن أو نجهز الشارع هو الحل، نطلع ونلف ونقف ونستنى، رمضان بييجي علينا وإحنا أصلًا متبهدلين.
هنا، لا يستقبل الشهر، بل يدار بأدوات محدودة ويستهلك داخل الشارع نفسه لا داخل البيت.
في المقابل رمضان يدار لا يُطارد
على بعد مسافة جغرافية محدودة، يظهر مشهد مغاير في مناطق سكنية أقل كثافة تقل الحركة قبل المغرب بشكل ملحوظ، وتغيب مظاهر الاستعجال. الإفطار هنا جزء من جدول يومي مُدار مسبقًا، لا لحظة ضغط مفاجئة.
تقول هاجر، موظفة في شركة خاصة وأم لطفل واحد لـ موقع “القصة”: إحنا بنشتري احتياجات الأسبوع مرة واحدة أو بنطلب أكل. فكرة إنك تنزل تجري قبل المغرب مش موجودة رمضان عندنا وقت نهدى فيه، مش نضغط نفسنا.
الاختلاف هنا لا يتعلق بطقوس الصيام، بل بامتلاك القدرة على تنظيم اليوم وتجنب الشارع.
الفجوة الاقتصادية من يملك الهدوء؟
بالنسبة لأب يعمل بدخل ثابت ومحدود، لا تبدو التجربة مسألة اختيار.
يقول محمود، موظف وأب لطفلين، لـ موقع “القصة“: شغلي بيخلص على آخر النهار، ولو خرجت بدري هيتحسب علي بنوصل قبل المغرب بدقايق، نشتري اللي نلحقه ونفطر وإحنا لسه مش واخدين نفسنا رمضان ما بيغيرش اليوم، بس بيزوده ضغط.
في المقابل ترى أسر أخرى المشهد نفسه من زاوية مختلفة
تقول نجلاء، أم لولد في المرحلة الإعدادية: إحنا متعودين نجهز من بدري، لو في زحمة بنتجنبها بحس إن الزحمة قبل المغرب مش من رمضان، دي من ظروف الناس.
ويشرح خالد الشافعي، الخبير الاقتصادي، لـ موقع “القصة“، الفرق الحقيقي إن في ناس تقدر تشتري وقت وراحة، وناس بتدفع تمن يومها دقيقة بدقيقة اللي دخله محدود، الشارع بيفرض عليه إيقاعه، ورمضان بس بيكشف ده بوضوح.
الضغط النفسي.. حين يتحول الإفطار إلى عبء
من منظور نفسي واجتماعي، لا يرتبط الضغط بعدد الناس في الشارع بل بالإحساس بفقدان السيطرة على اليوم.
تقول الدكتورة مروة ماهر، متخصصة في علم النفس الاجتماعي: الإجهاد الحقيقي بييجي من الإحساس الدائم إنك متأخر ومش لاحق لما الإفطار نفسه يبقى لحظة توتر، ده بيأثر على علاقة الشخص بالشهر وبالبيت.
وتضيف ماهر في تصريح خاص لـ موقع “القصة“، أن رمضان في بعض البيئات بيبقى مساحة تهدئة وفي بيئات تانية بيضاعف الإحساس بالعجز، وده انعكاس مباشر للفوارق الاجتماعية.
صورتان قبل الأذان وواقع واحد منقسم
قبل أذان المغرب في المنطقتين مختلفتين ما نراه في أيام شهر رمضان المبارك يوميًا، دليل اجتماعي زحام بشري كثيف في مساحات ضيقة، مقابل هدوء نسبي ومسافات محسوبة، يعكسان فجوة تتجاوز العادات إلى شروط المعيشة نفسها.
لا ينقسم رمضان في جوهره، لكنه يكشف انقسامًا قائماً بالفعل بين شارع يفرض إيقاعه، وبيوت تملك هامش الهدوء، يعيش المصريون الشهر نفسه بواقعين مختلفين وقبل أذان المغرب بدقائق لا يتشارك الجميع التوقيت ذاته ولا يعيشون التجربة نفسها.