في إحدى القرى الصحراوية الصغيرة، حيث كانت الرمال تغطي كل شيء تقريبا، اكتشف أحد الحرفيين المحليين بريقا غير مألوف داخل حفرة صغيرة أثناء بحثه عن الماء، بدأ الفضول يدفعه لاستكشاف المزيد، ليكتشف وجود الذهب بين يديه، هذه اللحظة التي غيرت مصيره ومصير الكثيرين، تعكس القصة الحقيقية لقطاع الذهب في مصر.
واليوم أصبح هذا القطاع واحدا من أهم أعمدة الاقتصاد الوطني، مدعوما بإصلاحات وهيكلة سياسات ناجحة جذبت الاستثمارات الأجنبية، ومع استمرار جهود استكشاف المناجم وتنفيذ المزايدات الجديدة، يبرز الذهب ككنز استراتيجي يعزز من قدرة البلاد على تحقيق النمو المستدام.
ضرورة وجود شركات متخصصة
الدكتور علي عبدالحكيم الطحاوي، الخبير في الشؤون السياسية والاقتصادية، يؤكد في تصريح خاص لـ ” القصة” التحولات الكبيرة التي تشهدها مصر في إدارة ثرواتها المعدنية، خاصة في قطاع الذهب الذي أصبح إحدى الركائز الاستراتيجية الداعمة للاقتصاد الوطني وجذب الاستثمارات الأجنبية.
وأشار إلى أن الدولة تعمل على إعادة هيكلة قطاع التعدين بشكل شامل، بدءا من تطوير التشريعات والقوانين، وتحسين بيئة الاستثمار، وصولا إلى تنظيم مزايدات عالمية لجذب شركات دولية تمتلك تقنيات متقدمة وخبرات كبيرة، ويعكس هذا النهج إيمان الحكومة بقيمة الذهب ليس فقط كمادة خام، بل كأحد الأعمدة الأساسية للاستقرار المالي للدولة.
وأوضح أن عمليات التنقيب أصبحت تعتمد على أسس علمية دقيقة، من دراسات ومسوح جيولوجية وجيوفيزيائية معمقة حتى مراحل الحفر والاستكشاف، مما يتطلب وجود مؤسسات وشركات متخصصة بدلاً من الأفراد، لتعزيز حماية الموارد الوطنية ومنع سوء استغلالها.
كما أشار إلى أن السياسات الجديدة تضمن الالتزام بالمعايير البيئية والاقتصادية في عمليات التنقيب والتعدين تحت إشراف هيئة الثروة المعدنية بالتنسيق مع وزارة البترول، مضيفا أن احتياطي الذهب لدى البنك المركزي يعكس قوة الاقتصاد المصري، حيث وصل في السنوات الأخيرة إلى مستويات قياسية غير مسبوقة، ما ساهم في تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد المصري.
وأكد في حديثه لـ ” القصة” أن الاحتياطي الجيولوجي للذهب في مصر يمثل مورداً استراتيجياً واعداً، خاصة في الصحراء الشرقية والبحر الأحمر، مع توقعات باكتشافات جديدة تدعم نمو القطاع، وتسعى الدولة حالياً لتعزيز شراكاتها مع الشركات العالمية وتوسيع مجالات الاستثمار بما يرفع من حصة قطاع التعدين في الناتج المحلي الإجمالي.
واختتم “الطحاوي” حديثه بالإشادة برؤية الرئيس عبدالفتاح السيسي التي تهدف لتحويل مصر إلى مركز إقليمي لصناعة التعدين، مؤكداً أن استمرار الإصلاحات بوتيرتها الحالية سيسهم في تحقيق تطور كبير لهذا القطاع وتحويل الذهب إلى إحدى القوى المحركة الرئيسية للاقتصاد المصري مستقبلاً.

طبيعة التصاريح
وأوضح الدكتور هاني أبو الفتوح، الخبير الاقتصادي، في تصريحات خاصة لـ” القصة” أن تنظيم عمليات التنقيب عن الذهب في مصر يخضع لقانون الثروة المعدنية رقم 198 لسنة 2014، بعد تعديله بالقانون رقم 145 لسنة 2019، إلى جانب اللائحة التنفيذية الصادرة عام 2020.
وأشار إلى أن الإجراءات الأساسية تشمل تقديم طلب رسمي للهيئة المصرية العامة للثروة المعدنية، مرفقاً بتقارير مالية وجيولوجية مع دفع رسوم إيجار سنوية وضمانات بيئية، حيث تُطرح المناطق للتنقيب عادةً من خلال مزايدات عالمية، مضيفا أن الوزارة أعلنت عن نيتها لإطلاق مزايدة جديدة تتضمن 200 منطقة استكشافية بالصحراء الشرقية.
وتابع أن التراخيص تُمنح غالباً للشركات المساهمة أو ذات المسؤولية المحدودة، سواء كانت محلية أو أجنبية، في حين يمكن للمصريين الأفراد المشاركة عبر تأسيس شركات أو التنقيب التقليدي في مناطق معينة مثل حلايب وشلاتين من خلال شركة شلاتين للثروة المعدنية، التراخيص الكبرى، ومع ذلك، تقتصر على الشركات لضمان الجاهزية الفنية والمالية، وتصدر الهيئة المصرية العامة للثروة المعدنية التراخيص بالتنسيق مع وزارة البترول والثروة المعدنية، ووفق موافقات الجهات الأمنية والدفاعية في بعض المناطق.
احتياطيات الذهب
وأشار إلى أن احتياطيات مصر من الذهب المسجلة لدى البنك المركزي وصلت إلى نحو 128 طناً حتى نهاية الربع الثالث من 2024. ولا تزال مناجم رئيسية مثل منجم السكري تحقق إنتاجاً كبيراً، حيث تجاوز إجمالي إنتاجه 5.8 مليون أوقية منذ التشغيل، إلى جانب اكتشافات جديدة مثل منجم إيقات الذي يضم احتياطي يقدر بـ1.2 مليون أوقية والاكتشاف التجاري في أبو مروات، كما توقع نمو الإنتاج السنوي للمناجم العاملة بين 450 و500 ألف أوقية.
واختتم بالقول إن قطاع الذهب يمثل دعامة مهمة للاقتصاد المصري بفضل الإصلاحات الهيكلية التي أسهمت في جذب استثمارات أجنبية، ومع استمرارية المزايدات والاكتشافات الجديدة، تتوقع وزارة البترول تحقيق مبيعات سنوية تصل إلى 1.5 مليار دولار من هذا القطاع، مما يعكس إمكانات كبيرة تتطلب تعزيز القدرات المحلية لتحسين العوائد، خاصة مع الاعتماد النسبي على الشركات الأجنبية.
