لم يعد الحضور العربي والمسلم في أوروبا محصورًا في صورة “اللاجئ المحتاج للحماية” أو “الآخر الثقافي المختلف”، بل تحوّل في السنوات الأخيرة — خاصة بعد الحرب على غزة — إلى حضور سياسي فاعل داخل الحركات الشبابية واليسارية الأوروبية.
في ساحات برلين، ومدرجات السوربون، وشوارع مدريد، وساحات لندن وروما، لم يعد المهاجر موضوعًا للهتاف بل أحد صانعيه، ولم تعد فلسطين قضية يتضامن معها الأوروبيون من بعيد، بل صارت لغة سياسية مشتركة تُعبّر عن رفض أوسع لمنظومات القمع والعنصرية والرأسمالية والاستعمار الجديد.
هذا التحول لم يكن أحادي الاتجاه: لم “ينقل” المهاجرون فقط قضيتهم إلى أوروبا، بل أعادوا صياغتها داخل قاموس اليسار الأوروبي نفسه — فانتقلت فلسطين من كونها “صراعًا جيوسياسيًا بعيدًا” إلى أن تصبح مرآة لعلاقات القوة داخل أوروبا: بين الأبيض وغير الأبيض، بين المواطن والمُهمّش، بين من يملك السلاح ومن يدفع ثمنه.
المهاجرون كمنتجي خطاب لا كضحايا له
جيل جديد من المهاجرين — خاصة من العرب والمسلمين — دخل أوروبا وهو يحمل خبرة مباشرة مع القمع، والاستبداد، والحروب، والنيوليبرالية المتوحشة. هذه الخبرة تحوّلت إلى رأس مال سياسي ومعرفي داخل الحركات اليسارية، التي وجدت في رواياتهم الحيّة عن فلسطين وسوريا والسودان والعراق تجسيدًا عمليًا لنظرياتها عن الاستعمار والعنصرية البنيوية.
في بريطانيا، لعب ناشطون من أصول عربية ومسلمة دورًا محوريًا داخل اتحادات الطلبة وحركات مثل Palestine Solidarity Campaign وStop the War Coalition، ليس فقط في الحشد، بل في إعادة تأطير القضية الفلسطينية بوصفها مسألة عدالة استعمارية لا نزاعًا دينيًا.
في إسبانيا، اندمج مهاجرون عرب — خاصة من المغرب وفلسطين — في حركات اليسار الراديكالي مثل Podemos والائتلافات المناهضة للعنصرية، وربطوا بين القضية الفلسطينية وبين تاريخ إسبانيا الاستعماري والهجرة عبر المتوسط، ما جعل فلسطين جزءًا من النقاش حول حدود أوروبا وسياساتها الخارجية.
في إيطاليا، ساهم ناشطون من الجاليات العربية في إدخال خطاب المقاطعة (BDS) إلى النقابات الطلابية وحركات العمال، وربطوا بين فلسطين وبين استغلال العمال المهاجرين داخل إيطاليا نفسها.
التأثير المعاكس.. كيف أعاد اليسار الأوروبي تشكيل المهاجرين؟
في المقابل، وجد كثير من المهاجرين في الحركات اليسارية الأوروبية فضاءً سياسيًا بديلًا عن الأنظمة القومية القمعية التي فرّوا منها. تعلموا لغة التنظيم الأفقي، والنضال النقابي، والمقاطعة الاقتصادية، والعمل المناخي، وربطوا بين فلسطين وبين قضايا مثل العدالة الاجتماعية والنسوية ومناهضة الرأسمالية.
في ألمانيا وبريطانيا وإسبانيا، تشكلت شبكات شبابية عابرة للهويات القومية، يشارك فيها مهاجرون وأوروبيون معًا، تنتج خطابًا سياسيًا جديدًا لا ينتمي بالكامل لأي من الطرفين، بل يتجاوزهما.
هذا التفاعل خلق هوية سياسية هجينة: مهاجر/أوروبي، محلي/عالمي، ضحية/فاعل — وهو ما يُربك التصنيفات التقليدية التي يقوم عليها خطاب اليمين.
لماذا يخاف اليمين المتطرف واللوبي الصهيوني من هذا التحول؟
لأن هذا التحالف يضرب ثلاث ركائز أساسية في النظام السياسي الأوروبي:
1. فكرة أن أوروبا “فضاء محايد أخلاقيًا”.
2. فكرة أن الاستعمار انتهى.
3. فكرة أن المهاجر كائن سلبي يجب احتواؤه لا الاستماع إليه.
اليمين المتطرف يرى في هذا التحالف تهديدًا ديموغرافيًا وثقافيًا، بينما ترى فيه اللوبيات الصهيونية تهديدًا سياسيًا مباشرًا لأنه يُحوّل نقد إسرائيل من هامش راديكالي إلى تيار شبابي مركزي.
استهداف “المهاجر المُسيّس”
لذلك لم يعد الاستهداف موجّهًا فقط للمهاجر “الفقير” أو “الخطير أمنيًا”، بل للمهاجر الناشط سياسيًا: الذي يتظاهر في لندن، وينظم فعاليات في مدريد، ويقود حملات مقاطعة في روما، ويربط بين غزة وبرلين، وبين الاحتلال والعنصرية الأوروبية.
من هنا نفهم تصاعد قوانين “مكافحة التطرف”، ومراقبة الجمعيات، وتجريم التظاهر، وسحب الإقامات، وربط التضامن مع فلسطين بـ”معاداة السامية”، وتحويل النشاط السياسي إلى شبهة أمنية.
خاتمة.. أوروبا أمام مرآتها
أوروبا اليوم لا تواجه فقط أزمة خارجية في غزة، بل أزمة داخلية في تعريف نفسها: هل هي قارة الحقوق أم قارة الامتياز الأبيض؟ هل هي ضد الاستعمار أم وريثته؟ هل تحتمل التعددية حين تتحول إلى نقد جذري؟
المهاجرون لم يأتوا فقط بحثًا عن الأمان، بل جاؤوا حاملين أسئلة — وأسئلتهم اليوم تهز قلب السياسة الأوروبية. عن بلدانهم، عن أسباب الحروب والصراعات، عن دور أوروبا وأمريكا في هذا كله. تلك الأسئلة وُجدتْ مشروعة من قبل اليسار الأوروبي وبعض الديمقراطيين. وبدأت الإجابات تصطدم مع المصالح اليمينة المتطرفة واللوبي الصهيوني.
ولهذا تحديدًا، يخشاهم اليمين ويحارب وجودهم بأي طريقة.