في ظل التصعيد المتسارع الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط، لم تعد تداعيات الصراعات تقتصر على البعد العسكري أو السياسي فقط، بل امتدت لتفرض تأثيرات عميقة على التوازنات الاقتصادية والعلاقات الإقليمية على حد سواء.
فالتوترات بين القوى الدولية والإقليمية، ووجود القواعد العسكرية الأجنبية، وتعقيدات المشهد، كلها عوامل أعادت طرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل العلاقات بين دول المنطقة، خاصة بين الدول العربية وإيران، إلى جانب انعكاساتها المباشرة على أسواق الطاقة والتجارة العالمية.
ومع اتساع رقعة القلق من تأثير هذه التطورات على الاستقرار الاقتصادي، وارتفاع الأسعار، واضطراب سلاسل الإمداد.
نقدم في هذا التقرير قراءة تحليلية لأبرز التداعيات السياسية والاقتصادية للأزمة في المنطقة، وانعكاساتها على العلاقات العربية الإيرانية، إلى جانب التأثيرات المحتملة على اقتصادات الدول العربية وأسواق الطاقة والتجارة الدولية.
القواعد الأمريكية.. عقدة العلاقات بين العرب وإيران
في هذا السياق قال الدكتور حامد جبر، المحلل السياسي، لـ”القصة”: إن وجود القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة يمثل حجر العثرة الأكبر أمام استقامة هذه العلاقات، خصوصًا مع دول الخليج العربي.
وأضاف أن هذه القواعد، التي أُنشئت في الأصل لحماية دول المنطقة، تحولت في أوقات عديدة إلى منصات تُستخدم في استهداف إيران، ما يجعلها مصدر توتر دائم بين طهران والدول العربية.
غياب المشروع العربي وتكلفة الصراعات الإقليمية
وأضاف الدكتور حامد جبر أن المشكلة الأعمق لا تتوقف عند القواعد العسكرية فقط، بل ترتبط بغياب مشروع عربي قادر على النهوض بالمنطقة وامتلاك أدوات القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية.
وأوضح أن هذا الغياب جعل المنطقة تدفع ثمنًا باهظًا من استقرارها وأمنها، في وقت تتقدم فيه مشاريع إقليمية أخرى مثل المشروعين الإيراني والتركي، اللذين يتنافسان على النفوذ في المنطقة.
وأشار جبر إلى أن ما يحدث على الأرض العربية يظل مؤلمًا لكل عربي، خاصة مع سقوط ضحايا من المدنيين، إلا أن الواقع يؤكد أن حالة الضعف والتفرّق العربي أسهمت في وصول المنطقة إلى هذا الوضع، مؤكدًا أن امتلاك أدوات القوة هو السبيل الوحيد لفرض علاقات متكافئة مع مختلف القوى الإقليمية والدولية.
الجزر الثلاث.. ملف معلق يعقّد العلاقات
وأكد جبر أن العلاقات العربية الإيرانية ستظل عرضة للتوتر ما لم يتم معالجة عدد من القضايا العالقة، وفي مقدمتها مسألة الجزر الثلاث؛ طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، التي تسيطر عليها إيران منذ عهد الشاه.
وأشار إلى أن أي علاقات سياسية مستقرة تحتاج إلى معالجة جادة للمشكلات التي تعيق الوصول إلى صيغة تعاون متوازن تراعي مصالح جميع الأطراف.
إحياء المفهوم الحضاري العربي
واختتم الدكتور حامد جبر حديثه بالتأكيد على أن تفعيل المفهوم الحضاري العربي، عبر أدواته السياسية والاقتصادية والعسكرية، يمثل الخيار الوحيد أمام النظام العربي الرسمي للخروج من حالة التراجع الراهنة.
وأكد، على أن العودة إلى مبدأ رفض الأحلاف السياسية التي تُقحم المنطقة في صراعات دولية قد تكون خطوة ضرورية نحو بناء نظام إقليمي أكثر توازنًا واستقرارًا.
ارتفاع أسعار الطاقة وتأثيره على الأسواق
وفي إطار آخر قالت الدكتورة هدى الملاح، مدير عام المركز الدولي للاستشارات الاقتصادية ودراسات الجدوى، لـ”القصة”: إن أول وأبرز الآثار الاقتصادية للحرب يتمثل في ارتفاع أسعار الطاقة والنفط، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على الأسواق العالمية.
وأوضحت أن التوترات المتصاعدة في المنطقة، خاصة في الممرات البحرية الحيوية مثل مضيق هرمز، تؤدي إلى اضطراب حركة النقل وإغلاق بعض المسارات الجوية والبحرية، الأمر الذي يرفع تكاليف الشحن والنقل، وبالتالي يؤدي إلى زيادة أسعار السلع والخدمات في مختلف الأسواق.
التضخم وتراجع القدرة الشرائية
وأضافت الدكتورة هدى أن ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف النقل ينعكس سريعًا على معدلات التضخم، مشيرة إلى أن العالم يعاني بالفعل من أزمات اقتصادية متتالية منذ جائحة كورونا، ومع اندلاع أي صراع جديد قد نشهد موجة تضخم إضافية.
وأكدت أن الدول العربية غير النفطية، مثل مصر والأردن، قد تكون الأكثر تأثرًا نتيجة اعتمادها على الاستيراد في العديد من السلع الأساسية، ما يؤدي إلى تراجع القدرة الشرائية للمواطنين مع زيادة الأسعار.
اضطراب سلاسل الإمداد والتجارة الدولية
وأشارت الدكتورة هدى إلى أن الحروب تؤدي أيضًا إلى اضطراب سلاسل الإمداد العالمية، نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين على السفن التجارية، إضافة إلى المخاطر المرتبطة بالممرات البحرية.
وأوضحت أن هذه العوامل تؤثر بشكل مباشر على حركة التجارة الدولية، حيث تنتقل زيادة التكاليف من شركات الشحن إلى تجار الجملة ثم إلى تجار التجزئة، وفي النهاية يتحمل المستهلك النهائي هذه الزيادة في الأسعار.
الاستقرار السياسي مفتاح انتعاش الاقتصاد
وأكدت أن تهدئة الأوضاع السياسية والعسكرية في المنطقة يمكن أن تسهم في استعادة النشاط الاقتصادي تدريجيًا، خاصة في قطاعات الطاقة والنقل البحري والسياحة والاستثمارات الأجنبية.
كما أن استقرار الممرات البحرية، مثل البحر الأحمر ومضيق هرمز، من شأنه خفض تكاليف الشحن وتحفيز حركة التجارة العالمية، مشيرة إلى أن الاقتصاد بطبيعته يزدهر في بيئة مستقرة وآمنة، وهو ما يجعل الاستقرار الإقليمي عاملًا أساسيًا في دعم النمو الاقتصادي في المنطقة.