لم يعد وصف النفس بـ “الأرستقراطية” تعبيرًا عن انتماء طبقي حقيقي، بقدر ما أصبح خطابًا اجتماعيًا متداولًا، وحكاية تُصاغ بعناية وتُروى في البيوت وعلى منصات التواصل، “سفر متكرر، أماكن فاخرة، سيجار، أسماء أجنبية، ولهجة واثقة”؛ عناصر تصنع صورة براقة، حتى وإن غابت الحقيقة الاجتماعية خلف هذا المشهد المصقول.
الأرستقراطية من انتماء طبقي إلى خطاب اجتماعي
هذه الظاهرة لا يمكن فصلها عن تحولات اجتماعية واقتصادية عميقة، دفعت كثيرين إلى إعادة تعريف ذواتهم لا كما هي، بل كما يتمنون أن تُرى.
من طبقة لخطاب اجتماعي
الأرستقراطية التي تُروى اليوم ليست طبقة اجتماعية بقدر ما هي خطاب نفسي واجتماعي، يولد من القلق، ويتغذى على الإعلام، ويتناقل داخل الأسرة بدافع الحماية أحيانًا. ومع غياب مشروع ثقافي وتربوي يعيد الاعتبار للقيم الحقيقية، تصبح الحكاية أجمل من الواقع.. وأكثر أمانًا منه.
لكن المجتمعات لا تُبنى بالصور وحدها، بل بإعلام واعٍ، ونماذج صادقة، وقيم تُزرع في الواقع، لا تُستعار في الحكايات.
صورة تُصنع بدل واقع مُرهق
في هذا السياق، ترى الدكتورة سامية خضر، أستاذة علم الاجتماع السياسي بجامعة عين شمس، أن غياب الدور التوعوي للإعلام أسهم بشكل مباشر في خلق فراغ قيمي لدى قطاعات واسعة من المجتمع، ما فتح الباب أمام تقديم نماذج استعراضية تفتقر للهدف والمعنى.
وتشير خضر إلى أن الإعلام، الذي كان في فترات سابقة يقدم شخصيات تحمل قيم العلم والاحترام والقدوة، بات يركز على محتوى مثير للجدل، يكرس لفكرة الشهرة والثراء بوصفهما إنجازًا في حد ذاتهما، دون ارتباط حقيقي بالقيم الإنسانية أو الاجتماعية. هذا التحول، بحسبها، يدفع الأفراد إلى البحث عن صورة بديلة لأنفسهم، تعوض غياب النماذج الواقعية الملهمة.
آلية دفاعية وتجمل زائف
من زاوية أخرى، يفسر الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، هذه المبالغات بوصفها آلية دفاع نفسي أكثر منها محاولة متعمدة للخداع.
فالأهل، بحسب صادق، يسعون إلى الظهور بصورة ناجحة ومتفوقة أمام أبنائهم، لحمايتهم من الإحساس بالنقص أو الدونية في مجتمع يقوم على المقارنة المستمرة.
وأوضح أن بعض الآباء قد يلجأون إلى تجميل ماضيهم أو الحديث عن أصول اجتماعية أفضل، ليس بدافع الادعاء، بل رغبة في رفع معنويات الأبناء، خاصة في ظل انتشار التنمر الطبقي داخل المدارس والدوائر الاجتماعية، فالطفل الذي يسمع من أقرانه عن السفر والمكانة والمال، قد يشعر بالإقصاء إن لم يمتلك رواية مشابهة عن نفسه.
الأبناء بين التنمر والتكيّف
في البيئات التي تُقاس فيها القيمة بالمظاهر، يتعلم الأطفال سريعًا أن “الانتماء” يحتاج إلى قصة مقنعة. طفل يدّعي السفر، أو يخفي تفاصيل عن أسرته، أو يبالغ في وصف حياة لا يعيشها، غالبًا ما يفعل ذلك بدافع التكيّف، لا الرغبة في الكذب.
ويرى متخصصون أن هذا السلوك يعكس محاولة لتحقيق توازن نفسي داخل جماعة تضغط على أفرادها ليكونوا متشابهين في المظهر والمكانة، حتى وإن اختلفت ظروفهم الحقيقية.
الإعلام كصانع للوهم
تحذر الدكتورة سامية خضر من أن استمرار هذا النمط الإعلامي يعمق الفجوة بين الواقع والمتخيل، خاصة مع تراجع البرامج التربوية والمحتوى الموجه للأطفال والشباب.
وتؤكد أن الإعلام يمتلك تأثيرًا يتجاوز أحيانًا تأثير الأسرة، لأنه يخترق البيوت ويعيد تشكيل القيم والتصورات دون مقاومة حقيقية.
وتضيف أن غياب الرسالة الواضحة، وترك المجال لمحتوى “سايب”، يسهم في إعادة إنتاج خطاب اجتماعي مشوش، يخلط بين الرقي الأخلاقي والانتماء الطبقي، وبين القيم الإنسانية والمظاهر الاستهلاكية.
بين تجميل الحقيقة وتزييفها
يفرق الدكتور سعيد صادق بين تجميل الواقع بوصفه ضرورة نفسية مؤقتة، وبين بناء أكذوبة كاملة قد تنعكس سلبًا على الأبناء مستقبلًا، فالتحدي الحقيقي، بحسبه، لا يكمن في إخفاء الصعوبات، بل في تقديم نموذج واقعي ملهم، يعترف بالضغوط ويحتفي بالقدرة على الصمود والتطور.