بينما كان العالم يظن أن أرشيف “جيفري إبستين” قد باح بكل أسراره القذرة، خرجت من بين الركام وثائق وصور قلبت الموازين، لتنقل مسرح الأحداث من دهاليز السياسة الأمريكية المظلمة إلى رحاب أطهر بقاع الأرض.
صورة واحدة وتسريبات غامضة وضعت “كسوة الكعبة المشرفة” في كادر واحد مع الرجل الذي أدار أخطر شبكة استغلال في التاريخ الحديث، لتفتح الباب على مصراعيه أمام تساؤلات حارقة: كيف وصلت “المكرمة السعودية” التي لا تُهدى إلا للملوك والأولياء إلى جدران فيلا “داعر” مشبوهة؟
في هذا السياق، يستعرض “القصة” خفايا هذا الربط الصادم، وما كشفه المؤرخون وخبراء السياسة حول “العلاقات الفولاذية” لإبستين مع شخصيات إقليمية، وهل وقعت الكسوة ضحية لعمليات “تزييف وتجارة سوداء”، أم كانت جزءًا من مخطط اختراق استخباراتي أوسع تقوده أجهزة الكيان الصهيوني، التي كان إبستين أحد أهم بيادقها؟ بين “القداسة” و”التدنيس”، نكشف في السطور التالية كواليس الأرشيف الذي لم يتوقف عن إثارة الغثيان والجدل.
تشكيك تاريخي
قال الدكتور جمال شقرة، المؤرخ وخبير التاريخ، إن الحديث هنا عن من يشكك في الادعاء بأن إبستين حصل على قطعة من كسوة الكعبة، موضحًا أن الوثائق الأمريكية منقولة على لسان إبستين نفسه، وبالتالي ليس هناك مصدر آخر يؤكد حصوله على قطعة من كسوة الكعبة.
وأشار جمال شقرة لـ”القصة” إلى أنه إذا حدث بالفعل حصول إبستين على قطعة من كسوة الكعبة، فهذا يمثل عملية تجارة وفساد ورشوة.
الجهات الرسمية هي المسؤولة عن منح أو إعطاء الهدايا
وأوضح شقرة أن مسألة إهداء جزء من كسوة الكعبة، بالرجوع إلى تاريخ المسألة، أولًا من يصنع كسوة الكعبة هي المملكة العربية السعودية، وهنا الجهات الرسمية هي التي تقوم بإجراء تبديلها أو تجديدها كل عام في تاريخ 9 ذو الحجة.
وأردف شقرة أن الكسوة القديمة للكعبة لا تُترك للعامة، بل تعود إلى المخازن الخاصة به، وهو مجمع الملك عبد العزيز، وتُمنح منه بالفعل هدايا في شكل قطع، وتوضع في عبوات وبراويز أو توضع في شكل هدية تليق بالشخصيات التي تُمنح لها هذه الهدية، وهي ليست شخصيات عامة، وتُعد هذه القطع مثل قلادة النيل، وتُمنح لرؤساء دول وملوك وشخصيات سيادية بارزة في المجتمع.
وتابع بأنه تُمنح الأجزاء المتبقية من كسوة الكعبة إلى شخصيات ساهمت في الدين الإسلامي، ومن الممكن أن تُمنح إلى مراكز ومتاحف ومعارض إسلامية.
القطع تمنح كهدايا رمزية
وأشار شقرة إلى أن المملكة العربية السعودية والجهات الرسمية تؤكد أن قطعة من كسوة الكعبة القديمة لا تُمنح للتبرك بها، فهي مجرد هدية رمزية لا يجوز التبرك بها، وهذه نقطة مهمة للغاية.
واستكمل قائلًا: “إن هناك من العامة من يتبرك بكسوة الكعبة أو بجزء من كسوة، مثل التبرك بالحجر الأسود، ولكن عندما تُمنح لأسماء تاريخية وكبيرة لا تُمنح على سبيل البركة، وإنما تُمنح على سبيل التكريم الرمزي، مثل أي قلادة تُمنح لأي دولة”.
التخوف من إساءة استخدام هذه القطع
وأوضح أن هناك تخوفًا من إساءة استخدام كسوة الكعبة القديمة، فهناك جهة رسمية تتعامل بالكشوفات وتُسلم بطريقة رسمية، بمعنى أنه إذا تم إهداء أحد الشخصيات المعروفة أو أحد الرؤساء والملوك، يُسجل بهذه الكشوفات اسم الشخص الذي أُهديت له القطعة على سبيل التكريم وليس على سبيل التقديس.
وأشار إلى أن الأمر المهم أنه لم يرد في الأسماء التي مُنحت جزءًا من كسوة الكعبة تكريمًا لهم رجال مال أو أعمال أو رياضيين أو فنانين أو أثرياء، ولكن تُمنح لرجال الدين.
أرشيف يسجل به الهدايا
وقال إن هناك في الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي سابقًا مجمع الملك عبد العزيز، لديه أرشيف كبير، والمسائل منضبطة تمامًا من ناحية من هذا العام تُمنح له جزء من كسوة الكعبة أو مجموعة من قطع قماش الكسوة لمجموعة من الشخصيات البارزة.
وتابع شقرة بأنه يجوز أن نقول، وربما يكون هذا حقيقيًا، إنها لا تُباع من الأساس، وأن هناك من يدعي أنه قام بشراء جزء من كسوة الكعبة.
قطع مزيفة يتاجر بها
واختتم شقرة قائلًا: “إن هناك في الأسواق قطعًا مزيفة من كسوة الكعبة، وهناك من يتاجر بهذه القطع، ولذلك يجب أن يكون هناك حظر فيما يتعلق بادعاء البعض بالحصول على جزء من كسوة الكعبة”.
وأكد أن هناك محاولة لتشويه المسألة بربط بين إبستين الداعر وحصوله على جزء من كسوة الكعبة، مع تكرار التأكيد أنه لا يوجد دليل ورد في الوثائق الخاصة بإبستين أنه تم الحصول على هذا الجزء من كسوة الكعبة.
إبستين صاحب علاقات فولاذية
ومن جانبه قال الدكتور مختار غباشي، خبير العلوم السياسية، إن حصول إبستين على قطعة من كسوة الكعبة، بالنظر إلى الصورة التي التُقطت له، كان واقفًا مع أحد الشخصيات الإماراتية، فهل حصل عليها من هذا الشخص كهدية؟ أو وصلت له عن طريق شخصيات أخرى؟ لأنه كان رجلًا صاحب علاقات فولاذية.
وأشار خلال حديثه لـ”القصة” إلى أنه من الواضح من الوثائق حجم تغول إبستين في كثير من الأجهزة والشخصيات السياسية العامة وغير العامة، ما يبرز حجم اتصالاته مع رموز كثيرة جدًا على مستوى العالم، وعلى مستوى العالم العربي، وما تم تسريبه من المستندات التي تم الإفراج عنها، والتي لا تقل عن 2700 مستند، وقيل إن هناك مستندات سيتم الإفراج عنها قريبًا.
هل كانت الكسوة “هدية مسمومة” من مسؤول إماراتي لإبستين؟
وتابع غباشي بأنه من المؤكد أنه تم الحصول عليها من أحد مصادره، أو حصل عليها من المسؤول الإماراتي الذي كان يقف بجواره أثناء وجود هذه القطعة من القماش.
وأردف أن إبستين داخل الفيلا والجزيرة الخاصة به كان حريصًا على أن يسجل كل لحظة وكل اتصال، وحجم المستندات المهولة التي تم الإفراج عنها والموجودة لدى وزارة العدل الأمريكية تؤكد ذلك.
خدمة أجهزة الكيان الإسرائيلي
وأوضح غباشي أن إبستين كان من طبيعته أنه يقوم بتسجيل وتوثيق كل لحظة تحدث داخل الفيلا أو الجزيرة لاستغلالها فيما بعد، لأنه كان شخصية قائمة على خدمة أجهزة تجسس كبيرة تابعة للكيان الإسرائيلي.
وأشار إلى أن وجود سلطان ابن سليم، الحقيقة كاملة مبهمة، لأن هذه الصور والاتصالات التي تمت هل كانت عبارة عن حضور دائم أم دعوات وحضور مؤقت؟ وما حجم العلاقات بين الطرفين؟ وما سبب العلاقات؟ هناك أسئلة كثيرة تُطرح في سياق ما تم تسريبه عن إبستين.
الكثير من علامات الاستفهام وعلامات الغموض
وتابع غباشي بأنه حتى في طريقة اختفائه، قيل إنه انتحر، وقيل إن هناك شواهد على وجوده داخل إسرائيل، وتم التحايل على هذا الأمر وإذاعة انتحاره وهو موجود الآن لدى الكيان الإسرائيلي. هذا الرجل تدور حوله الكثير من علامات الاستفهام وعلامات الغموض، ومعرفة اتصالاته بالكثير من الأطراف الإقليمية والأطراف الدولية والأجهزة السيادية وأجهزة الاستخبارات في كثير من الدول.
المملكة العربية السعودية هي المسؤول
وقال غباشي إن كسوة الكعبة موجودة لدى المملكة العربية السعودية، وهي القائمة عليها، وهي التي تمنح جزءًا من هذه الكسوة إلى شخصيات عامة أو إلى شخصيات سياسية، لأن هذه الكسوة هي مكرمة وشيء ديني عقائدي له ملمس كبير جدًا على نطاق العالم العربي الإسلامي، ولا تُعطى لأي شخص، وإنما تُمنح لأسباب وأمور دينية أو كهدية لشخصيات سيادية.
واختتم غباشي حديثه قائلًا: “إن من الممكن أن يكون هناك شخصيات مهمة حصلت على جزء من كسوة الكعبة، لأن ما تم الحصول عليه من قبل إبستين ليس كسوة الكعبة بالكامل، وإنما جزء منها، وهناك أجزاء أخرى من القماش، ونحن نعلم أن كسوة الكعبة تُجدد سنويًا.
وأشار إلى أن كسوة الكعبة إما يُحتفظ بالمتبقي منها أو تُخرج منها بعد القطع وتُمنح كهدايا لشخصيات سياسية أو شخصيات حكومية أو رؤساء أو زعماء أو مسؤولين، لأن القيمة الأدبية والدينية والشعائرية لهذه الكسوة قيمة كبيرة جدًا، وهدية من أعظم الهدايا التي تُهدى من قبل المملكة إلى أي شخصيات ذات سيادة.