في قلب دائرة منيا القمح بمحافظة الشرقية، حيث يفترض أن تكون الانتخابات مساحةً للتنافس الحر وصوت الناس هو الحكم، تبرز هذه الدورة الانتخابية بوصفها نموذجًا مصغرًا للمشهد الوطني الأكبر، الذي يقوده داخل حزب مستقبل وطن نائب رئيسه وأمينه العام أحمد عبد الجواد—أحد أبرز مهندسي المرحلة الحالية، وأكثرهم قدرة على إعادة تشكيل اللعبة وفق قواعد لا تشبه السياسة، بقدر ما تشبه الأسواق.
فداخل منيا القمح، بدا واضحًا أن المواطن لم يُعامل باعتباره صاحب حق أو شريكًا في القرار، بل باعتباره وسيلة يجب التحكم في مساره وإدارته وضبط اتجاهاته. تحوّل الصوت الانتخابي إلى سلعة، وتحول الناخب إلى متلقٍّ مُرهَق، يُدفع نحو صناديق الاقتراع تحت ضغط الحاجة الأشد من الاقتناع.
هذه ليست صدفة؛ إنها انعكاس مباشر لنهج مركزي الحزب، ولطريقة إدارة عبد الجواد للمشهد: استثمار في الفقر، وتوسّع في المال السياسي، واعتبار الوهن الاجتماعي جزءًا من أدوات اللعبة.
مشاهد المرحلة الأولى من الانتخابات في الدائرة كانت ناطقة بما يكفي:
تكدسات مسيَّرة، ومال سياسي معلَن، وضغوط ناعمة وخشنة، وتجاوزات تُمارَس أمام الناس بلا مواربة، كأن الجميع صار متأكدًا أن لا أحد سيحاسب أحدًا.
والأخطر أن هذه الانتهاكات لم تكن انفعالًا لحظيًا، بل كانت منهجًا متكاملًا غايته تثبيت السيطرة، لا خدمة الناس.
وإلى جانب هذا الواقع، ظهرت ظاهرة أشد مرارة: إعادة تدوير الوجوه القديمة—شخصيات خرجت من المشهد سابقًا بسبب تورطها في أنماط ابتزاز سياسي واجتماعي، فإذا بها تُستَخرَج من الهامش وتُعاد تعبئتها داخل تحالفات مدروسة.
هي عملية “استرجاع” واضحة لمن تم شطبهم شعبيًا، وكأن الهدف ليس تطوير المشهد، بل إعادة إنتاج الفشل نفسه تحت مسميات جديدة.
وفي دائرة مثل منيا القمح، يعرف أهلها جيدًا تاريخ هذه الوجوه، ويعرفون كيف كانت، وإلى أين أعيدت، ولماذا تم دفعها إلى الواجهة مجددًا.
وهذا وحده يكفي ليطرح السؤال: هل الهدف هو تمثيل الناس أم السيطرة عليهم؟
ومع تصاعد هذه الممارسات، يعود الحديث مجددًا عن تعديل قانون الانتخابات، وعن إمكانية الرجوع إلى القائمة المطلقة أو تحالفات مغلقة تمنع أي تنوع سياسي حقيقي داخل البرلمان.
وكأننا أمام سيناريو يجري فيه إحكام القبضة على المجال العام:
شكل ديمقراطي… ومضمون مُحتكَر.
حركة انتخابية واسعة… ونتائج محسومة على الورق قبل أن تُكتب في الصناديق.
ووسط هذا كله، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا في منيا القمح، وفي مصر كلها:
لأي مدى يمكن لهذه السياسات أن تستمر؟
ولماذا يتم الإصرار على تحويل السياسة من مساحة مشاركة إلى مساحة إرهاق وتيئيس؟
وهل الهدف هو إدارة البلاد أم إدارة المواطنين… وإضعاف قدرتهم على الاعتراض والتفكير والمطالبة بحقوقهم؟
إن المشهد الحالي لا يهدد التمثيل السياسي فقط، بل يهدد فكرة السياسة ذاتها.
وكلما اتسعت الفجوة بين الناس وحياتهم العامة، كلما أصبح الصمت هو اللغة الأكثر انتشارًا—وهو أخطر ما يمكن أن تصل إليه دولة تحتاج إلى وعي مواطنيها، لا إلى إرهاقهم وإقصائهم.