ليس كل من صارت أمًّا اختارت الأمومة.
بعض النساء دخلنها من بابٍ جانبي، بلا احتفال، بلا وعد، بلا اسم واضح للدور.
لم يحملن طفلًا في بطونهن، لكنهن حملن بيوتًا كاملة على أكتافهن.
كبرن وهن يربّين غيرهن، ثم اكتشفن متأخرًا أن لا أحد يربّيهن.
في البيوت المصرية والعربية عمومًا تعيش ملايين النساء أمومة بلا شهادة ميلاد.
الابنة الكبرى التي صارت “ست البيت” قبل أن تعرف نفسها ، والأخت التي ورثت الأم بدلًا من أن ترث اللعب ، والزوجة التي تحوّلت إلى أم لزوجها، تنظّم فوضاه، وتحتمل هشاشته، وتعتذر نيابة عنه ، والمرأة التي لم تُنجب، لكن تحملت أبناء الجميع.
هؤلاء لا تُذكر أسماؤهن في احتفالات عيد الأم ولا تُعلَّق صورهن على الحوائط ،ولا يُسأل أحد: من يسند هذه المرأة حين تتعب؟
تشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن ما يقرب من 30٪ من النساء العاملات في مصر يتحمّلن مسؤوليات رعاية أسرية موسّعة، لا تقتصر على الأبناء، بل تمتد إلى أشقاء وآباء وأقارب.
كما تفيد تقارير منظمة العمل الدولية بأن النساء يؤدين عالميًا أكثر من 75٪ من أعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر ، عمل لا يُحتسب في الاقتصاد، لكنه يمنع المجتمع من الانهيار.
هذه الأمومة لا صوت لها لأنها لا تملك “قصة مثالية” لا طفل يقول: أمي ولا صورة مدرسية ولا حتى مناسبة رسمية للاعتراف .. فقط تعبٌ صامت، يتراكم مثل غبار لا يراه أحد.
المفارقة القاسية أن المجتمع يطالب هؤلاء النساء بكل فضائل الأمومة، دون أن يمنحهن أيًّا من حقوقها ،يُنتظر منهن الصبر بلا شكوى،والعطاء بلا شروط،
والتضحية بلا سقف،وإن اعترضن، وُصِفن بالأنانية.
وإن تكلّمن، قيل لهن: أنتِ قوية… غيرك لا يحتمل والقوة هنا ليست مديحًا، بل حيلة اجتماعية لإسكات الألم ،ففي ثقافتنا، تُقدَّم الأمومة باعتبارها قدرًا أخلاقيًا لا يُناقَش ،لكن قلّما نسأل:
هل يحق للمرأة أن ترفض أن تكون أمًّا للجميع؟ هل يحق لها أن تقول “تعبت” دون أن تُدان؟ هل لها صوت خارج دورها الوظيفي في الحياة؟
تشير دراسات نفسية عديدة إلى أن النساء اللواتي يؤدين أدوار رعاية قسرية لفترات طويلة أكثر عرضة للاكتئاب المزمن والاحتراق العاطفي.
لكن كثيرات منهن لا يصلن إلى العيادات، لأنهن تعلّمن مبكرًا أن يداوين الجميع… ويؤجّلن أنفسهن.
الأعمق من التعب هو الجهل بالحق.
كثيرات لا يعرفن أن لهن حق الاختيار أصلًا.
تربّين على أن الحب يعني التنازل،
وأن القيمة تُقاس بمدى ما تُعطينه لا بما تعيشينه.
هكذا يُسرق الصوت بالتدريج:
بالتعويد لا بالقمع،وبالتطبيع لا بالعنف.
تعتاد المرأة أن تُهمِل رغبتها،ثم تعتاد أن تنساها،ثم تخجل منها.
وحين تسأل أخيرًا: من أنا خارج هذا الدور؟
يكون المجتمع قد أقنعها أن السؤال نفسه خيانة! لكن الحقيقة أبسط وأقسى: فالصوت لا يموت، بل يُدفن.
والمدفون يمكن استدعاؤه.
لذلك نحن بحاجة إلى إعادة تعريف الأمومة بوصفها فعل اختيار لا عقوبة اجتماعية وأن نعترف بأن الرعاية عمل، وأن العمل يستحق التقدير والحماية.
وأن المرأة ليست موردًا لا ينضب،ولا ظلًّا دائمًا للآخرين.
الأمهات بلا أصوات لا يحتجن شفقة،
بل اعترافًا، ولا يحتجن تمجيدًا،
بل عدلًا، فمن يُربّي الجميع ولا يجد من يراه، سيتحوّل يومًا ما إلى ظلّ.
والمجتمعات التي تعيش على ظلال نسائها، تفقد إنسانيتها ببطء.
الصوت ليس رفاهية لكنه الحد الأدنى اللازمة للنجاة.