مع كل حديث عن تشكيل وزاري جديد، تتصدر توقعات الأسماء والحقائب المشهد السياسي، لكن يظل ملف حقوق الإنسان حاضرًا في النقاش وغائبًا عن الهيكل الحكومي، ويثير هذا الغياب تساؤلات متكررة حول أسباب عدم استحداث وزارة مستقلة معنية بحقوق الإنسان، رغم ارتباط الملف بصورة الدولة داخليًا وخارجيًا.
وتتكرر الأسئلة حول هل يمنع الدستور إنشاء وزارة لحقوق الإنسان؟ وما جدوى وجود وزير لهذا الملف في ظل المجلس القومي لحقوق الإنسان؟ وهل تُعد مصر استثناءً أم أن هناك تجارب دولية مشابهة؟
لا مانع دستوريا
من الناحية الدستورية، لا يوجد ما يمنع استحداث وزارة لحقوق الإنسان، إذ لا تتضمن نصوص الدستور أو القوانين المصرية أي حظر على ذلك، ويعود تحديد عدد الوزارات وتوزيع اختصاصاتها إلى رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، ويرى مؤيدو الفكرة أن وجود وزارة مستقلة قد يمثل رسالة سياسية تعكس جدية الدولة في تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، عبر نقل الملف من الإطار الدبلوماسي إلى صميم العمل التنفيذي داخل مجلس الوزراء.
ويظل السؤال الأكثر شيوعًا، ألم نمتلك بالفعل مجلسا قوميا لحقوق الإنسان؟ الفارق الأساسي بين المجلس والوزارة يكمن في طبيعة الدور، فالمجلس القومي جهة استشارية ورقابية تتابع أداء الحكومة وتصدر توصيات، بينما الوزارة جهة تنفيذية تمثل الدولة وتملك أدوات التنسيق والتطبيق، ووفق هذا التصور، لا يمثل استحداث الوزارة منافسة للمجلس، بل توزيعًا للأدوار بين الرقابة والتنفيذ.
توفر إرادة سياسية
وفي هذا السياق، قال المحامي الحقوقي مالك عدلي إن استحداث وزارة لحقوق الإنسان ممكن من حيث المبدأ، لكنه في الوقت نفسه أحد الاستحقاقات المتأخرة، ويتطلب توافر إرادة سياسية قوية تقوم على تبني سياسات حقوق إنسان لا يمكن الالتفاف عليها أو التراجع عنها.
وأوضح “عدلي” لـ”القصة” أن غياب وزارة مستققلة حاليا يعود إلى توزيع اختصاصات ملف حقوق الإنسان بين عدة جهات، من بينها وزارات الخارجية والداخلية والتضامن الاجتماعي، إلى جانب المجلس القومي لحقوق الإنسان، مشيرًا إلى أن إنشاء وزارة من هذا النوع يستلزم تحديد اختصاص قانوني ودستوري واضح، وبناء إطار تشريعي يسمح بوجودها كوزارة حقيقية ذات صلاحيات، وليس مجرد وزير بلا حقيبة.
تهيئة مقدمات
وأضاف أن التجربة المصرية عرفت من قبل نماذج لوزارات لم يكن لها دور واضح أو مؤثر، مثل وزارة العدالة الانتقالية ووزارة شؤون المصريين في الخارج، وهو ما يعكس غياب البنية التشريعية المنظمة لمثل هذه الكيانات.
وأكد أن استحداث وزارة لحقوق الإنسان يرتبط في جوهره بالإرادة السياسية والسياسات العامة المتبناة، وربما يكون مطروحًا في المستقبل، لكن بعد تهيئة مقدمات غير متوافرة حاليًا.
وأشار عدلي إلى أن إنشاء وزارة لحقوق الإنسان يتطلب بالضرورة تعديلات تشريعية وقانونية تبدأ بتحديد اختصاصات واضحة، متسائلًا: إذا أصبح لدينا وزير لحقوق الإنسان غدًا، سيشرف على ماذا؟ وسيحقق في أي ملفات؟ وسيلزم من؟ وبأي أدوات؟ مؤكدًا أن غياب هذه الصلاحيات سيجعل المنصب بلا تأثير فعلي.
ضرورة وليس رفاهية
وشدد على أن الوزارة الفعالة تحتاج إلى مشروع قانون متكامل يمنحها صلاحيات محددة، مثل الإشراف على العمل الأهلي ومؤسسات المجتمع المدني، التفتيش على السجون وأماكن الاحتجاز، تلقي الشكاوى، طلب التحقيق في الانتهاكات، ومتابعة تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان. واعتبر أن هذا التصور يعني إعادة توزيع اختصاصات قائمة حاليًا، تنتقل بموجبها بعض المهام من المجلس القومي وأخرى من وزارات التضامن والخارجية والداخلية والعدل، مؤكدًا أن الوزارة الشكلية لن يستفيد منها المواطن أو المجتمع.
وردًا على التساؤل حول ما إذا كانت مصر بحاجة إلى وزارة مستقلة، قال عدلي”احنا في حاجة لوزارة مستقلة ونقطة”، معتبرًا أن وجود وزارة حقيقية بصلاحيات واضحة ونفوذ لدى صانع القرار أصبح ضرورة وليس رفاهية، ولا يتعارض مع استقلال المجلس القومي أو دور المجتمع المدني.
خطوة غير عملية
من جانبه، استبعد الدكتور عمرو هاشم ربيع، الخبير في النظم السياسية، جدوى هذه الخطوة، واعتبرها غير عملية في السياق الحالي، موضحا أنه لا توجد في النظم السياسية ما يعرف بـ وزارة لحقوق الإنسان.
وأضاف “ربيع” أن ملف حقوق الإنسان في مصر لا يعاني من نقص في الكيانات، في ظل وجود المجلس القومي وعدد من المنظمات الحقوقية، مؤكدًا أن الأزمة الحقيقية تكمن في ضعف التطبيق الفعلي للتشريعات القائمة.
وشدد على أن تفعيل الاستراتيجية الوطنية وتطبيق مواد الدستور يمثلان الأساس الحقيقي لتحسين أوضاع الحقوق والحريات، خاصة مع غياب قوانين محورية مثل تداول المعلومات ومنع التمييز.
نماذج دولية
وعلى الصعيد الدولي، تقدم باكستان نموذجًا لوزارة مستقلة لحقوق الإنسان على المستوى الاتحادي، تتولى حماية الحقوق الأساسية، تلقي الشكاوى، وإعداد التقارير الوطنية والدولية، بما يمنح الملف ثقلًا مؤسسيًا داخل الحكومة.
وفي البرازيل، يُدمج ملف حقوق الإنسان ضمن وزارة حقوق الإنسان والمواطنة، مع تركيز على الفئات المهمشة ومكافحة التمييز.
بعد عام 2003، أنشئت وزارة حقوق الإنسان في العراق لمتابعة آثار النزاعات وحماية الضحايا من الانتهاكات المختلفة. تقوم الوزارة بإعداد التقارير الوطنية والدولية، وتنسق مع الجهات الدولية لضمان تطبيق السياسات الحقوقية. رغم التحديات الأمنية والسياسية التي تواجهها البلاد، تظل الوزارة الجهة الرسمية المسؤولة عن الإشراف على تنفيذ سياسات حقوق الإنسان، وحماية المدنيين، ودعم برامج العدالة الانتقالية، ما يجعلها ركيزة أساسية في النظام الحقوقي العراقي الحديث.
شهدت تونس إنشاء وزارة حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية بعد الثورة في 2011، بهدف متابعة الانتهاكات السابقة ودعم العملية الانتقالية. عملت الوزارة على تطوير السياسات الوطنية، إعداد التقارير الحقوقية، والتنسيق مع المنظمات الدولية. إلا أنه لاحقًا تم إلغاء الوزارة ودمج اختصاصاتها ضمن وزارات أخرى، لكن الأهمية الرمزية والوظيفية للملف الحقوقي بقيت قائمة، مع استمرار متابعة القضايا الحقوقية، خاصة تلك المتعلقة بالتحول الديمقراطي والعدالة الانتقالية.