أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

“لنجعل أمريكا عظيمة”.. ترامب نقيض شعاره

محمد حماد

لم يكن صعود دونالد ترامب إلى قمة السلطة في الولايات المتحدة حادثًا طارئًا في تاريخ السياسة الأميركية، ولا مجرد انحراف شعبوي عابر سرعان ما يصححه النظام، بل كان تعبيرًا مكثفًا عن لحظة أزمة عميقة تراكمت داخل البنية الأميركية لعقود، وتزامنت مع تصدّع واسع في النظام الدولي الذي قادته واشنطن منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

حين ظهر ترامب، لم يكن النظام العالمي في أوج قوته، بل كان قد بدأ يفقد قدرته على الإقناع، وتآكلت شرعيته بفعل حروب طويلة، وأزمات مالية متكررة، وعولمة أعادت توزيع الخسائر أكثر مما وزعت الأرباح.

في مثل هذه اللحظات التاريخية، لا يبرز القادة بوصفهم صنّاعًا للأزمات بقدر ما يظهرون ككواشف لها، وترامب كان، في هذا المعنى، كاشفًا أكثر منه مُنشئًا.

أخبار ذات صلة

أحمد منتصر
إيران وأمريكا.. انعطافة دبلوماسية حذرة على حافة التصعيد
أسماء جمال صحبة الأطفال
من التاريخ إلى منصات التتويج.. رحلة أسماء جمال من الشغف إلى الاحتراف
فريق الأهلي
بن شرقي أساسي.. تشكيل الأهلي لمواجهة البنك الأهلي بالدوري المصري

لقد التقط غضب الداخل الأميركي، وسخط طبقاته المتضررة من العولمة، وقلق نخبه من تراجع الهيمنة، وحوّل كل ذلك إلى خطاب بسيط، مباشر، وعد بإعادة العظمة من خلال القطيعة مع ما سبق.
لم يدرك ترامب الشعبوي أن القطيعة، في تاريخ الدول العظمى، لا تكون دائمًا طريقًا للتجديد، بل كثيرًا ما تكون طريقًا للتفكك إذا لم تسندها رؤية قادرة على إعادة البناء.

من هذا المنطلق، لا يمكن فهم تجربة ترامب بوصفها محاولة واعية لإعادة بناء الدور الأميركي، بقدر ما يجب قراءتها كاستجابة غريزية لأزمة لم يُحسن تشخيصها.

بقدر ما تكشف هذه التجربة عن مواهب واضحة في الهدم، فإنها تفضح في الوقت ذاته عجزًا بنيويًا عن البناء. ترامب لم يصنع لحظة انهيار النظام العالمي، لكنه جاء في توقيت كانت فيه تشققات هذا النظام قد اتسعت بما يكفي لأن تُستثمر سياسيًا، فاختار أن يدفعها إلى أقصاها بدل أن يسعى إلى إدارتها أو إعادة تشكيلها.

لقد قدّم خطابه الشعبوي، ونزعته الانعزالية، وازدراءه الصريح للتحالفات والمؤسسات الدولية، كأدوات فعّالة لتقويض نظام ليبرالي كان قد فقد بالفعل كثيرًا من شرعيته، لكنه لم يقدّم في المقابل أي تصور متماسك لنظام بديل قادر على التنظيم والإقناع.

وهنا تتكرر إحدى مفارقات التاريخ السياسي: فالهدم وحده لا يصنع تحوّلًا، بل يفتح فراغًا. والفراغ، في السياسة الدولية، لا يبقى فراغًا طويلًا، بل يصبح ساحة تنافس بين قوى أخرى تملك، أو تسعى إلى امتلاك، خيال البناء الذي افتقده من صناع الهدم.

تستدعي اللحظة الراهنة درس التاريخ العميق. فأنظمة العالم لم تسقط فقط بفعل من هدمها، بل بفشل من اكتفوا بالهدم في تقديم بديل قادر على التنظيم والإقناع.

من توازن القوى الأوروبي قبل الحرب العالمية الأولى، إلى نظام ما بين الحربين، وصولًا إلى أفول الإمبراطوريات الاستعمارية بعد حرب السويس 1956، لم يكن الانهيار مجرد حادثة، بل اختبارًا صارخًا لمن يمتلك خيال البناء.

الفراغ الذي خلّفه انهيار النظم الدولية لم يَعُد إلا لحظة مفصلية، ونجحت أمريكا التي استطاعت تعبئته برؤى سياسية واضحة في صياغة قواعد جديدة، بينما فشلت القوى التي اقتصرت على الهدم، فتكبدت تراجعًا طويل الأمد أو خسرت القدرة على القيادة تمامًا.

الفارق الجوهري هنا أن الولايات المتحدة، عقب الحرب العالمية الثانية، امتلكت هذا الخيال السياسي. لم تكتفِ بتفوّقها العسكري، بل حولته إلى نظام عالمي، وإلى شبكة تحالفات، وإلى مؤسسات جعلت الهيمنة مقبولة، بل مرغوبة.

على العكس يقف ترامب اليوم على الضفة المعاكسة من هذا الإرث التاريخي؛ يتعامل مع النظام الدولي الذي بنته واشنطن كعبء ثقيل، ومع التحالفات كخسائر لحظية، ومع المؤسسات الدولية كقيود يجب كسرها لا أدوات يجب توظيفها.

وهكذا، لم يأت هدمه للنظام مجرد توظيف فوضوي للشعبوية أو سلوكًا انعزاليًا عابرًا، بل مثال حي على كيف يمكن لعقلية الهدم أن تفقد الدولة عُمرها الاستراتيجي الطويل، حين لا يقترن بالقدرة على البناء.

بهذا السياق التاريخي، يظهر الخلل الأكثر خطورة في مقاربة ترامب للسياسة: نزوعه، بحكم خبرته الطويلة في عالم الأعمال، إلى تحويل السياسة إلى صفقة قصيرة النفس. حيث لا تدار السياسة الخارجية في عهده بمنطق الدولة العظمى التي تراكم النفوذ على مدى عقود، بل بمنطق الربح السريع والعائد الآني. تحولت العلاقات الدولية إلى مفاوضات قصيرة الأجل، وتحولت الالتزامات إلى أرقام في ميزان المكسب والخسارة، وغاب الإدراك بأن سياسات القوى الكبرى لا تُقاس بنتائجها الفورية، بل بقدرتها على تشكيل المستقبل.

لقد أسهم هذا الخلل في إضعاف الشروط التي تصنع العظمة؛ فالعظمة الأميركية لم تُبنَ يومًا على الانسحاب من العالم، ولا على كسر القواعد دون تصور بديل، ولا على تحقير الحلفاء.

بل بُنيت تلك العظمة على فهم دقيق لطبيعة القيادة، وقدرة على تحمل كلفة الدور مقابل مكاسب استراتيجية على المدى الطويل. وحين يُستبدل هذا المنطق بعقلية الصفقة، ويتحول الهدم إلى غاية في ذاته، لا تصبح النتيجة استعادة العظمة، بل تآكلها البطيء.

في لحظات التحوّل الكبرى، لا يُقاس القادة بما يرفعونه من شعارات، بل بما يتركونه من آثار ملموسة على الدولة والعالم.

ودونالد ترامب، وهو يرفع شعار «لنجعل أمريكا عظيمة من جديد»، بدا كمن يقاتل خصمًا متخيّلًا بينما يضرب، من حيث لا يدري، الأسس التي قامت عليها تلك العظمة نفسها. فالعظمة ليست شعورًا يمكن استدعاؤه بالخطاب، ولا وضعًا سابقًا يمكن نسخه أو استعادته، بل نتاج شروط معقدة: قدرة على القيادة، خيال سياسي، استعداد لتحمل الكلفة، وفهم أن القوة تُراكم على المدى الطويل.

وهنا تكمن المفارقة القاسية: عقلية الهدم، من دون خيال البناء، وعقلية الصفقة السريعة، من دون رؤية استراتيجيّة، لا تعيد الدولة إلى موقعها التاريخي المهيمن، بل تفتح الباب أمام فراغ دولي، سريعًا ما تملؤه قوى أخرى بشروط أقل انسجامًا مع مصالح من انسحب أولًا.

وبالتالي، يسير شعار ترامب في اتجاه قد يفضي إلى نقيضه تمامًا: تآكل الدور الأميركي بدل استعادته، وضياع الفرصة التاريخية لعظمة يمكن أن تُستعاد، لو أن السياسات نُظمت بعقل الدولة الكبرى لا بعقل التاجر الغاضب.

وفي نهاية المطاف، يظل الدرس واضحًا: القائد الذي لا يقدّر الشروط الحقيقية للعظمة، والذي يحوّل السياسة إلى صفقة والهدم إلى غاية، يكون في الواقع العدو الأول للشعار الذي ادّعى أنه جاء لتحقيقه. هكذا، يتحوّل الوعد إلى عبء، والشعار إلى اختبار صارخ للفرق بين الكلام والنتيجة، بين الرغبة في العظمة وبين القدرة على صُنعها بالفعل.

***
تنويه ضروري:

من المهم الإشارة إلى أن الحديث عن العظمة الأميركية لم يُقصد به إقرار هذا المفهوم أو التسليم بتداعياته على العالم، بل كان تحليلًا لمنطق الإدراك الأميركي حول العظمة، وكيف يقيّم الأمريكيون شروطها وفرص تحقيقها، بغض النظر عن موقفنا من هذا التصور ومآلاته.

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

الشاعر السماح عبد الله
مهازل الليالي الشعرية في معرض الكتاب
images - 2026-02-03T163553
تجديد حبس سيد مشاغب قائد وايت نايتس 45 يومًا على ذمة التحقيقات
47c211bd-acf9-49bc-bdf2-0d9ee03719f5
جزيرة المتعة الحرام.. هل كان جيفري إبستين عميلا للموساد؟!
1562228
ديربي لندن.. أرسنال يصطدم بتشيلسي على بطاقة نهائي كأس الرابطة

أقرأ أيضًا

513eb0f4-e386-4fe2-918d-222bbba50312
فضيحة إبيستن.. كاريكاتير للفنان محمد عبد اللطيف
معرض القاهرة الدولي للكتاب
محرر "القصة" في معرض الكتاب.. 3 مشاهد و3 ملاحظات
images (91)
الإدارة الأمريكية: مستعدون للتفاوض مع إيران.. وهذا شرطنا
dav
قبل الوداع.. أدباء ومبدعون يقرأون مشهد الإقبال على معرض الكتاب.. ثقافة أم ترفيه؟| 2