الأولوية لأبناء العاملين.. كلمات لا تحتاج إلى شرح من بساطة معناها وفداحة فحواها، فتلك الكلمات الكفيلة بقتل الطموح لدى الكثير من الموهوبين، وتحويل الكفاءة إلى ضيف غير مرغوب فيه، ومنح الفرص لغير مستحقيها، وبدأ هذا التوجه في مصر كممارسة داخل بعض الهيئات والشركات الحكومية، ثم انتشر تدريجيًا ليغزو جميع قطاعات المجتمع، وعلى الرغم مما يحمله من جريمة فساد مع سبق الإصرار والترصد، وبدلًا من مواجهة هذا الفعل ومحاولة السيطرة عليه نجده يزحف ويتوغل وينتشر ويستمر ويستمر ويستمر.
هذا الزحف الذي وصفه أحد وزراء العدل السابقين “بالزحف المقدس” في معرض حديثه عن انتقاد البعض لأولوية تعيين أبناء القضاة بالسلك القضائي، وعلى ما يبدو أن العلم قد أخطأ حين حصر الجينات الوراثية في لون العينين وطول القامة والبنية الجسدية، ففي المؤسسات العريقة ربما أغفل العلم أن أبناء العاملين في المناصب العليا يولدون ولديهم قدرات فطرية خاصة دون غيرهم تجعلهم مؤهلين لشغل نفس مناصب آبائهم، في حين أن “أبناء السعاة” تجدهم يمتلكون خريطة جينية تجعلهم يتميزون عن غيرهم بمهارة ضبط كمية السكر في شاي المدير دون الحاجة للحصول على دورة تدريبية ينظمها “باريستا” محترف.
وبعيدًا عن تناول السينما لتلك الظاهرة كفيلم خارج عن القانون لبلال فضل، والجملة الشهيرة التي قيلت على لسان كريم عبد العزيز “في بلد زي اللي إحنا عايشين فيها ابن الدكتور لازم يطلع دكتور، وابن الضابط لازم يطلع ضابط زي أبوه، وبرضه ابن تاجر المخدرات يطلع تاجر مخدرات”، نجد تلك الظاهرة وقد انتقلت من الوظائف العليا والدنيا بشكل سواء إلى قطاعات أخرى تطلب توفر مهارات وقدرات لا تتوفر بنسبة كبيرة في أبناء العاملين، ما تسبب في انهيارها كالفن والرياضة والسياسة على سبيل المثال لا الحصر.
ففي الفن، ومع انتشار ظاهرة أبناء العاملين بالوسط الفني، على الرغم من افتقار الغالبية العظمى منهم للموهبة، ومع المحاولات المستمرة لفرضهم على الجماهير بزعم امتلاكهم لنفس قدرات آبائهم وكأنها انتقلت إليهم عبر الحبل السري، واكتشافهم فجأة أن ابن النجم الكبير لديه نفس خفة دم والده ونفس “رفعة حاجبه”، حتى ولو كانت تعابير وجهه ثابتة لا تتغير سواء كان ذلك في مشهد حزن أو فرح، وكأن “كاريزما الوراثة” كافية وحدها في أن يرى المخرج في ابن البطل ما لا يراه في ألف موهوب من خريجي المعهد العالي للسينما أو شباب مسرح الجامعة، والنتيجة كما نرى الآن انهيار تام للسينما والدراما التلفزيونية على حد سواء وعلى كافة الأصعدة بعد أن كانت لنا الريادة فيها.
أما في الملاعب الرياضية فحدث ولا حرج، الكاميرات لم تعد تُسلط على الأكثر موهبة قدر تسليطها على “ابن الكابتن”، بل وقد أصبحنا نرى تشكيلات فرق كاملة يمكن تسميتها “فريق أبناء النجوم السابقين”، وبشكل خاص في مراحل الناشئين، فالابن وللمصادفة يرتدي نفس قميص والده ويحمل نفس لقبه، بل ويمتلك نفس قدراته الإعجازية في الجلوس على دكة البدلاء في ناديه والانضمام إلى المنتخب الوطني في آن واحد، أما وإذا أصابه الملل من ممارسة اللعبة فلا بأس، إذ يمكنه الاعتزال والانضمام فورًا للعمل الإعلامي عبر بوابة التحليل الفني أو حتى مقدمًا للبرامج الرياضية تمامًا كوالده، ليحدثنا بكل ثقة عن رؤيته لأداء اللاعبين والمدربين داخل وخارج خطوط الملعب، والتي ورثها قطعًا عن “بابا”، لتصبح المحصلة كما نرى الآن من بطولات محلية هزيلة ومنتخبات وطنية تقدم مستويات بائسة.
ولعل في تناول بعض التقارير الإعلامية عن توارث بعض نواب البرلمان الذي تم تشكيله حديثًا لمقاعد آبائهم وأجدادهم بمثابة المثال الحي على توغل وتغول ظاهرة أبناء العاملين في حقل العمل السياسي، فبعيدًا عن القبلية التي تسيطر على طريقة انتخاب عضو البرلمان في بعض دوائر الصعيد والدلتا، فقد امتد الأمر ليشمل دوائر أخرى أكثر تمدنًا، ليصبح البرلمان “بيت العائلة” قولًا وفعلًا، وكأن الأساطير القديمة التي تحدثت عن ارتباط مولد الأمراء والأميرات بشامات على أجسادهم تميزهم عن دونهم قد أصبحت واقعًا في بلادنا بعد أن اكتشفنا أن أبناء بعض السياسيين يولدون أيضًا وهم موشومون بختم النسر.
وعلى ما يبدو أننا أمام ما يمكن أن نسميه “العدالة الجينية”، فالأب الذي يكد ويتعب لا يستهدف نجاحه ومجده الشخصي فقط، بل يسعى من وراء ذلك لأن يخلفه الابن في وظيفته المرموقة أو بحمل الراية من وراءه في الملاعب أو الاستوديوهات أو تحت قبة البرلمان، فنحن أمام مجتمع بات يؤمن بأن الكفاءة قد تخطئ أحيانًا كثيرة، على عكس التركيب الوراثي الذي لا يخطئ أبدًا، فالموهبة والمسؤولية والوجاهة الاجتماعية لا تختلف كثيرًا عن “الودائع البنكية”، فجميعها صارت تتوارثها الأجيال، أما المواطن العادي وإن كان موهوبًا حقًا، فربما لن تشفع له موهبته وحدها، وعليه أن يكتفي بالتشجيع بحماس، والتصفيق بحرارة، ومشاهدة “أبناء العاملين” وهم يضيعون تاريخ البلاد باسم عائلاتهم المقدسة، وإذا كان هناك من رفع شعار لن أعيش في جلباب أبي في عهود سابقة، فإن شعار المرحلة الحالية الذي أصبح يؤمن به الكثيرون لن أعيش في جلباب أبي فقط.. بل سأعيش في جلبابه وسرواله أبو دكة.