وسام حمدي ورفيدة عادل
تتصاعد أزمة نقص بنج الأسنان في مصر، وسط حالة من الجدل الواسع بين الأطباء والجهات المعنية، بعد أن تحوّل النقص من مجرد شكاوى محدودة إلى أزمة حقيقية تهدد استمرار الخدمات العلاجية داخل العيادات.
ناقش موقع “القصة” كافة الأطراف، فبينما تؤكد نقابة أطباء الأسنان وجود خلل في الإنتاج والتوزيع، تنفي هيئة الدواء وشعبة الأدوية تمامًا وجود أي أزمة، لتبقى الحقيقة عالقة بين الاتهامات المتبادلة ومحاولات التهدئة.
بدوره ذكر الدكتور خالد عبد الباسط، عضو نقابة أطباء أسنان مصر، أزه فور ظهور الأزمة، عقد النقيب عدة اجتماعات مع الوزراء المعنيين لمحاولة الوصول إلى حلول عاجلة، مشيرًا إلى أن رئيس غرفة الدواء صرح بأنه لا توجد مشكلة في الإنتاج المحلي، رغم امتلاك النقابة لمعلومات تؤكد وجود خلل فعلي في إنتاج شركة الإسكندرية.
خطوط إنتاج شركة الاسكندرية
ويضيف، خالد عبد الباسط، أن السبب الرئيسي وراء أزمة البنج يعود إلى مشكلة في خطوط إنتاج شركة “جيف” بالإسكندرية، ما أدى إلى انخفاض الكميات المعروضة في السوق بشكل ملحوظ.
وأوضح، أن الطلب على البنج أصبح يتم حاليًا من خلال التطبيق الإلكتروني، لكن الكميات المتاحة لم تعد كافية، قائلاً إن: “الأعداد اللي كانت تكفي الطبيب لمدة شهر كامل مبقتش موجودة، دلوقتي المتاح مجرد علبتين بس، وبدأ يكون في تأخير في التسليم، بعد ما كان البنج بيوصل خلال خمسة أيام عمل، دلوقتي في أطباء بتستنى لعشر أيام وأحيانًا لأسبوعين”.
كميات قليلة وتضاعف الأسعار
وأضاف أن أنواعًا أخرى مثل “آرت فارما” تعاني أيضًا من نقص واضح على التطبيق في الفترة الأخيرة، مشيرًا إلى أن الشركة المسؤولة عن التطبيق تستحوذ على أغلب إنتاج المصنع، بينما النوع الإسباني غير متوفر تمامًا منذ نحو شهرين، كما دفع الوضع العديد من الأطباء إلى شراء البنج من خارج التطبيق بأسعار مضاعفة، حيث وصل السعر إلى ما بين 1800 و2000 جنيه، في حين أن سعره داخل التطبيق لا يتجاوز 850 جنيهًا.
وأكد أن فكرة التوزيع عبر التطبيق في حد ذاتها ممتازة لأنها تسهّل على الأطباء، لكن المشكلة – بحسب قوله – أن النقابة ليست على علم بحجم الكميات الموردة أو المباعة فعليًا، خصوصًا في ظل انتشار شائعات حول بيع كميات من البنج خارج المنظومة الرسمية.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن النقابة تعمل حاليًا على مراجعة الأوراق وطلبات الأطباء والتنسيق مع الجهات المعنية للوصول إلى حل جذري يضمن استقرار السوق وتوفير البنج بالأسعار المناسبة.
ديون متراكمة
ومن جانبه قال الدكتور وليد فؤاد الديب، رئيس شعبة الأدوية بالغرف التجارية، في تصريح لـ”القـصة” إن نقابة أطباء الأسنان أعلنت أنها ستتولى توزيع مخدر الأسنان بالكامل من خلال تطبيق إلكتروني تابع لشركة تُدعى “داف”.
وأضاف أن الشركة تتولى بيع البنج وشراءه إذ تُباع العلبة بسعر يصل إلى 850 جنيهًا، ومع خدمة التوصيل ترتفع إلى 900 جنيه.
وكشف أن الشركة تمنح النقابة العامة 7 جنيهات فقط عن كل علبة كهامش ربح، لكنها حتى الآن لم تسدد مستحقات وصلت إلى نحو مليون ونصف جنيه، ما دفع النقابة إلى رفع دعوى قضائية ضدها.
وأوضح “الديب” أنه كان يحصل أسبوعيًا على نحو 300 علبة من شركة فارما لتسليمها للنقابة حتى يتسنى توزيعها على الأطباء، بحيث يحصل كل طبيب على علبة واحدة تحتوي على خمسين أنبولة، في محاولة لتخفيف حدة الأزمة، لكنه فوجئ مؤخرًا بإبلاغه بعدم إمكانية استلام أي كميات جديدة لأن شركة داف أصبحت الجهة الوحيدة المصرح لها بالتوزيع.
الأزمة تتكرر منذ 4 سنوات
من جانبه، قال الدكتور محمود فؤاد، مدير جمعية الحق في الدواء، في تصريح لـ”القـصة”، إن أزمة بنج الأسنان ليست وليدة اللحظة، بل متكررة منذ نحو أربع سنوات.
وأوضح أن البنج كان يُصرف بشكل طبيعي في الصيدليات، لكن مع تراجع إنتاج شركة الإسكندرية – وهي شركة عامة تابعة للدولة تغطي ما بين 60 إلى 70% من احتياجات السوق – بدأ النقص يظهر تدريجيًا.
وأضاف: “يوجد بنج آخر تنتجه شركات خاصة، وبنج مستورد إسباني هو الأشهر، لكنه غالي جدًا على المريض المصري، وده بيخلي الدكاترة في الأرياف والمناطق الشعبية مش بيفضلوه، لأنهم لو استخدموه هيرفعوا سعر الكشف على المريض”.
وأشار إلى أن هيئة الدواء المصرية تدخلت في وقت سابق لحل الأزمة من خلال توزيع البنج عبر النقابات الفرعية، بحيث تحصل كل نقابة على الكمية التي تحتاجها وتوزعها بمعرفتها، لكن عملية التوزيع – على حد قوله – “مكانتش بتتم بشكل سليم”، وهو ما تسبب في تفاقم المشكلة.
وأكد “فؤاد” أن الأزمة الحالية سببها عدم توافر الكميات المطلوبة في السوق المصري، مطالبًا بضرورة وضع حلول جذرية ودائمة تحفظ حق المريض في علاج أسنانه بأسعار مناسبة.
اجتماع طارئ بين هيئة الدواء ونقابة أطباء الأسنان
وفي محاولة لاحتواء الأزمة، عقدت هيئة الدواء المصرية اجتماعًا موسعًا مع نقابة أطباء الأسنان لبحث سبل دعم وتطوير منظومة أدوية ومستلزمات طب الأسنان.
الاجتماع الذي عُقد برئاسة الدكتور علي الغمراوي، رئيس هيئة الدواء المصرية، وبحضور الدكتور إيهاب هيكل، نقيب أطباء الأسنان، ناقش آليات السوق المصري بالبنج والمستلزمات بجودة وكفاءة عالية، إلى جانب التعاون مع المصنعين المحليين ضمان استمرارية إمداد والمستوردين لتوفير الاحتياجات بشكل منتظم.
وأكد “الغمراوي” خلال اللقاء حرص الهيئة على ضمان جودة وسلامة المستلزمات الطبية الخاصة بطب الأسنان، مشددًا على أهمية التواصل المستمر مع النقابة وتبادل الخبرات من أجل رفع كفاءة الخدمات العلاجية المقدمة للمواطنين.
لا أزمة.. والأمر مفتعل
في المقابل، نفى الدكتور علي عوف، رئيس شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية، وجود أي أزمة في بنج الأسنان، واصفًا تصريحات النقابة بأنها “عارية تمامًا من الصحة”.
وقال في البيان الصادر عن النقابة أن الذي يحدث وراءه سياسة ليّ ذراع للدولة لفرض وجود البنج الإسباني المستورد بأسعار مرتفعة، مؤكدًا أن الشركتين المحليتين تنتجان كميات كافية لتغطية احتياجات السوق.
وأوضح أن شركة الإسكندرية للأدوية التابعة للدولة قادرة وحدها على إنتاج 100% من احتياجات السوق المصري، مضيفًا أنه تواصل مع الشركة قبل أيام قليلة وأكدت له أنها تعمل بكامل طاقتها الإنتاجية دون أي توقف.
أزمة تتطلب حسمًا سريعًا
وبين نفي هيئة الدواء وشعبة الأدوية، وتأكيد النقابة وجمعية الحق في الدواء على وجود خلل في الإنتاج والتوزيع، تبقى أزمة بنج الأسنان جرس إنذار جديد لضرورة ضبط المنظومة الدوائية بالكامل، لضمان عدم تكرار الأزمات التي تمس احتياجات المرضى والأطباء على حد سواء.
فالمريض في النهاية هو من يدفع الثمن، والطبيب هو أول من يواجه الأزمة على أرض الواقع، بينما تبقى الحقيقة الكاملة في انتظار قرار حاسم يكشف أين الخلل.. في الإنتاج أم في التوزيع؟ أم في الرقابة علي كميات البنج المتاحة؟ والسؤال المجهول الأخير من هي شركة داف؟ وماذا تريد؟