في كل لحظة تتكشف فيها موازين القوة الإقليمية، يفرض السؤال نفسه بلا مواربة: ماذا يعني سقوط أو انتصار أي قوة مجاورة للعرب؟ ويتضاعف ثقل هذا السؤال حين يتعلق الأمر بجار مثل إيران، يشكّل أحد المحاور الأساسية في توازنات النفوذ بالمنطقة.
فالتاريخ والجغرافيا يفرضان على العرب إدراك حقيقة لا تقبل الإنكار: كل تحرك إقليمي، سواء صدر من واشنطن أو تل أبيب أو حتى من طهران نفسها، يترك أثرًا مباشرًا في أمنهم وسيادتهم وقدرتهم على المناورة.
لذلك، فإن سؤال «ماذا يخسر العرب من هزيمة إيران؟» ليس ترفًا فكريًا ولا تمرينًا ذهنيًا، بل مدخلٌ ضروري لفهم ما يُحاك للمنطقة، وما يُنتظر من العرب تجاهه.
مثل هذا السؤال لا يُجاب عنه بالشعارات ولا بالتمنيات، بل بتفكيك ميزان القوة كما هو قائم، لا كما نرغب أن يكون. فهزيمة إيران ليست مجرد سقوط نظام إقليمي أو انهيار قوة معادية، بل هي خسارة استراتيجية للعرب أنفسهم، لأنها تمسّ أحد أعمدة التوازن الإقليمي الذي ظلّ – ولو جزئيًا – يقيهم من التفرد الإسرائيلي ومن هيمنة القوى الكبرى بلا كوابح.
أول ما يخسره العرب في هذا السيناريو هو انكسار آخر جدار إقليمي عملي في وجه التفوق العسكري الإسرائيلي المطلق.
ولسنا هنا بصدد تبرئة إيران أو تبييض سجلها في العراق أو سوريا أو لبنان، لكن السياسة لا تُدار بمنطق «الخصم السيئ والخصم الأسوأ»، بل بمنطق الفراغ: من يملؤه إذا سقط طرف ما؟ هزيمة إيران تعني، ببساطة، إزالة القوة الوحيدة في الإقليم التي تُحسب لها تل أبيب وواشنطن حسابًا عسكريًا حقيقيًا، لا حسابًا خطابيًا.
ومن دون هذه القوة، ينهار سقف الاحتواء الذي فرضته إيران على الحروب الشاملة، وتغدو أي مواجهة مستقبلية أكثر خطورة على العرب أنفسهم، حتى على أولئك الذين ظنّوا أنهم في مأمن خلف اتفاقيات أو مشاريع خارجية.
الخسارة الثانية تتمثل في تحوّل إسرائيل من قوة متفوقة لكنها محكومة بسقف احتكاك إقليمي، إلى قوة بلا كابح.
إسرائيل اليوم تدرك أن أي حرب شاملة قد تستدعي ردًا قاسيًا لا يمكن التنبؤ بحدوده. ومع سقوط إيران، ينهار هذا السقف، وتتحول تل أبيب إلى مركز هيمنة عسكرية وسياسية بلا منافس، بما يفتح الباب أمام إعادة رسم خرائط النفوذ على حساب ما تبقى من الدول العربية، ويضعها تحت ضغوط غير مسبوقة، قد تصل إلى حدود الابتزاز السياسي والاقتصادي والأمني.
أما الخسارة الثالثة فهي تعميق التبعية العربية للولايات المتحدة.
وجود إيران كقوة مزعجة – حتى وإن كانت عدائية للعرب – يمنح بعض الدول العربية هامش مناورة، وقدرة ـ ولو محدودة ـ على اللعب على تناقضات القوى الكبرى. هزيمتها تعني شرق أوسط أحادي القطبية، تُدار فيه ملفات الأمن والطاقة والممرات البحرية من واشنطن، بلا وسيط ولا موازن، وبلا أوراق ضغط عربية ذات معنى.
وتبقى الخسارة الرابعة، والأكثر عمقًا، هي انهيار فكرة التوازن الإقليمي ذاتها.
فمنذ إسقاط المشروع القومي، يعيش العرب بلا قوى فاعلة مستقلة، ومع تغييب المشروع الجامع، يصبح وجود قوى إقليمية متنافسة – حتى لو كانت خصومًا – أقل ضررًا من انفراد قوة واحدة بالقرار.
السياسة لا تعرف الفراغ، وإذا لم يملأه العرب، ملأه غيرهم، وربما استُنزف الجميع قبل أن يُستهدف العدو “الرئيسي” نفسه.
كل ذلك لا يعني أن العرب “ينتصرون” ببقاء إيران قوية ومعادية. الخسارة هنا مزدوجة ومأساوية: يخسر العرب إذا استمرت إيران في خصومة مفتوحة معهم، ويخسرون أكثر إذا هُزمت هزيمة كاملة.
غير أن الفارق جوهري؛ فخسارتهم مع إيران المهزومة ستكون نهائية، بلا أوراق، وبلا هامش مناورة.
الخلاصة القاسية أن العرب لا يخسرون إيران كنظام أو كحليف، بل يخسرون فكرة وجود قوة إقليمية تكسر الاحتكار الإسرائيلي–الأمريكي.
وإذا أردنا قول الحقيقة كاملة، فالمشكلة ليست في إيران بقدر ما هي في غياب العرب عن معادلة القوة أصلًا. وفي السياسة، من لا يكون رقمًا، يتحول إلى ساحة.
ومع ذلك، فإن هذه الخسارات، على قسوتها، ليست قدرًا محتومًا. فهي تضع على العرب واجبًا تاريخيًا بإعادة قراءة موقعهم في الإقليم، والانتباه لما تمليه عليهم الجغرافيا السياسية: فإيران جار مقيم، لا جار عارض، وكذلك تركيا؛ جيرة ممتدة تشكلت عبر قرون من الصراع والتداخل والتعاون، ولا يمكن شطبها بقرارات عابرة ولا تجاوزها بزفّة عسكرية.
واجب العرب اليوم ليس الانخراط في موكب ضرب إيران، ولا التصفيق لمشاريع تُقدَّم باعتبارها استهدافًا لخصم، بينما قد تُستغل في جوهرها لتفكيك المنطقة على حساب العرب أنفسهم.
المطلوب هو امتلاك مشروع عربي مستقل ومتوازن، يُمكّن من إقامة علاقات تنافسية غير متناحرة مع إيران وتركيا معًا؛ تنافس تضبطه المصالح المشتركة، ويكبحه الردع المتبادل، لا صراع صفري يفتح الباب لتدخل القوى الكبرى.
كما يتعين على العرب أن يدركوا أن الخطر لا يكمن في إيران وحدها، بل في الارتهان لمشاريع خارجية قد تستهدفهم قبل أن تستهدف إيران نفسها، وتُبقي المنطقة في حالة تفكك دائم، يُدار فيها الصراع بدل أن يُحسم، ويُستنزف فيها الجميع لصالح مركز قوة واحد.
العرب اليوم أمام مفترق حاسم: إما أن يظلوا ساحة للصراعات، أو أن يتحولوا إلى رقم فاعل في التوازن الإقليمي.
وطريق القوة لا يمر إلا عبر مشروع عربي مستقل، يعيد تعريف العلاقة مع الجوار على أساس الندية لا التبعية، وعلى أساس التوازن لا الاصطفاف الأعمى.
العرب لا يحتاجون إلى عدو جديد، بل إلى ذات سياسية جديدة؛ مشروع يعيد هندسة موقعهم في الإقليم، وعندها فقط تصبح العلاقة مع إيران وتركيا ملفًا يُدار بعقل، لا قدرًا يُخشى، ولا حربًا يُزفّ إليها بلا بوصلة.