أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

ما بعد الحلم.. الهوية حين تفقد حكايتها

إسراء عبد الحافظ

كيف يموت الإنسان قبل أن يموت

في فلسفة بول ريكور نحن لسنا ما نتذكره بل ما نحكيه عن ما نتذكره فماذا يحدث حين يتوقف الحكي

نوران لا تكتب شيئًا جوالها مليء بالصور لكنها لا تنشرها يومياتها الورقية توقفت منذ خمس سنوات حين تسألها صديقتها كيف حالك تبتسم وتهز كتفها زي الفل هذا هو سردها الكامل عن نفسها الآن جملة واحدة فارغة تحميها من سؤال أعمق.

أخبار ذات صلة

إسراء عبد الحافظ
ما بعد الحلم.. الهوية حين تفقد حكايتها
IMG-20260413-WA0026
بعد تراجعه عالميًا.. هل فقد الذهب حصانته كملاذ آمن؟
الإجهاض الآمن - تعبيرية
الإجهاض الآمن.. القانون لا يحمي المُغتصبَات!

قبل أربع عشر عامًا كانت نوران مختلفة كانت تحكي كثيرًا كانت تكتب في مذكرتها اليوم نزلت الميدان اليوم حلمت اليوم بكيت من الفرح كانت لديها هوية سردية متماسكة هي نوران الثورية نوران الحالمة نوران التي ستغير مستقبلها ثم جاءت السنوات تخرجت وبحثت عن عمل لم تجد كبرت وتوقفت عن الحلم ثم توقفت عن الحكي لم تعد نوران تعرف من هي ليست حزينة ليست غاضبة ليست يائسة هي فقط متوقفة مثل ساعة أوقفت عقاربها لكنها لم ترم بعد

أحمد في الجهة الأخرى من المدينة يعيش حالة مختلفة كان عضوًا في تيار إسلامي كان لديه سرد عظيم هو صاحب حق أو الشهيد المحتمل في سبيل قضيته كان يعرف من هو بالضبط اسمه وانتماؤه هدفه وعدوه ثم انهار كل شيء اليوم هو لا يعرف من هو تارة يصدق رواية تياره بأنه ضحية مؤامرة وتارة يشك فيها تارة يلوم نفسه ربما كنا مخطئين وتارة يلوم الآخرين يعيش في دوامة سردية يتنقل بين حكايتين متناقضتين بلا أرض ثابتة

سارة النموذج الثالث لم تكن يومًا منتمية إلى حكاية واحدة كانت ناشطة شيوعية في المدرسة الثانوية ثم تحولت إلى ليبرالية في الجامعة ثم أصبحت مهتمة بحقوق المرأة والهوية ثم بعد التخرج وجدت نفسها منجذبة إلى الفكر القومي وكل مرحلة عاشتها بكامل إيمانها واليوم تجلس أمام شاشة هاتفها تمر على منشوراتها القديمة على فيسبوك فتشعر بالرعب كيف كنت أفكر هكذا هل كانت تلك أنا أيضًا لا تستطيع حذف الماضي لكنها لا تستطيع أيضًا ضمه وتعيش في حالة من التشتت السردي ليس لديها حكاية واحدة عن نفسها بل مجموعة من الحكايات المتفرقة التي لا تجتمع في كتاب واحد.

نوران أحمد سارة ليسوا مرضى نفسيين بالمعنى السريري لكنهم يعانون من مرض وجودي أعمق انهيار القدرة على سرد الذات هذا المرض في فلسفة بول ريكور هو موت أبطأ من الموت الجسدي لكنه أكثر قسوة.

الهوية السردية كيف نبني أنفسنا من خيوط الزمن

لفهم ما حدث لا بد من العودة إلى الفيلسوف الفرنسي بول ريكور في كتابه الذات عينها كآخر تناول مفهوم الهوية السردية الذي يعتبر من أعظم الأفكار الفلسفية في القرن العشرين يرى ريكور أن الإنسان يختلف عن الجماد والحيوان في شيء واحد قدرته على سرد نفسه الجماد هو ما هو عليه بلا تاريخ والحيوان يعيش في حاضر دائم بلا ذاكرة ممتدة أما الإنسان فيبني هويته عبر الزمن عبر ربط ماضيه بحاضره ومستقبله في قصة واحدة وهذه القصة آلة وجودية لصنع الذات عندما تقول أنا فأنت تختصر آلاف الحكايات الصغيرة التي رويتها لنفسك وللآخرين عن من تكون.

ميز ريكور بين شكلين من الهوية هما الهوية النمطية والتي تعني الثبات الذي نقيسه من الخارج أن تظل نفس الشيء عبر الزمن شجرة البلوط تظل شجرة بلوط هذا هو هوية الشيء والهوية الذاتية والتي تعني الثبات الذي يأتي من الداخل من الالتزام والمسؤولية والعهد وأن تظل وفيًا لكلمتك أو مخلصًا لحبك أو متمسكًا بقضيتك رغم أنك تغيرت في كل شيء آخر هذه هي هوية الشخص لكن السؤال الوجودي الحقيقي هو كيف يمكنني أن أقول إنني نفس الشخص بعد عشر سنوات وقد تغير جسدي وأفكاري وعلاقاتي.

جواب ريكور كان عبر السرد فالسرد هو الجسر الذي يصل بين الثبات الجامد والثبات الحي أي أنا أحافظ على هويتي ليس لأن لدي جوهرًا ثابتًا بل لأنني أروي حياتي باستمرار وأعيد بناء نفسي في كل مرة أحكي.

الزمن في نظر ريكور هو العدو الطبيعي للهوية الزمن يغير كل شيء يمحو وينسي يشوه السرد هو السلاح الوحيد ضد الزمن لأنه يجمع شتات اللحظات في كل ذي معنى ويمنح الألم مكانًا والفرح سياقًا والتناقض فهمًا بدون السرد نصبح مجرد سلسلة من أنا متفرقة لا رابط بينها وهذا هو بالضبط ما حدث لنوران وأحمد وسارة توقف السرد أو تشتت أو تناقض فتفككت الذات.

نوران لم تفقد ذاكرتها هي تتذكر كل شيء أيام الميدان لافتتها دموعها يوم سقوط مبارك فرحتها الغامرة لكنها توقفت عن ربط هذه الذكريات بحاضرها وذكرياتها أصبحت أشياء غريبة مثل صور قديمة في ألبوم لا تفتحه هي تنظر إليها من بعيد تقول كان يا مكان ثم تغلق الألبوم.

الرواية الجيدة تحتاج إلى حبكة من بداية وسط نهاية تحتاج إلى علاقات سببية حدث هذا فحدث ذاك أي تحتاج إلى تطور كانت الشخصية كذا ثم أصبحت كذا وسرد نوران عن حياتها كان له حبكة كنت طالبة من أسرة متوسطة ثم جاءت الثورة فسأحصل على وظيفة فسأعيش بكرامة هذه الحبكة انهارت لم يأت ثم ولم تأت الوظيفة ولم تأت الكرامة فماذا تفعل الحبكة حين تنكسر إما أن تعيد صياغة نفسها وهذا صعب وإما أن تتوقف وهذا ما فعلته نوران.

نوران لم تعد تحكي حياتها كقصة متطورة هي تقدم نفسها الآن كشخصية ثابتة الفتاة التي تبيع الإكسسوارات بعد تعليم جامعي التي لا تحلم والتي تتهكم على كل شيء هذه الشخصية ليست ذاتًا لأنها لا تحمل تاريخًا هي مجرد دور ترتديه يوميًا.

ومن هنا ندرك الفرق بين الذات والشخصية فالذات تتغير وتتطور وتعترف بتناقضاتها تقول كنت كذا ثم صرت كذا وما زلت أحمل كذا من الماضي أما الشخصية هي قناع جامد تقول أنا هذا نقطة صلبة أرفض التغيير.

نوران ارتدت قناع المحبطة اللامبالية لدرجة أن القناع التصق بوجهها وهي لم تعد تعرف إن كانت لا تزال تحلم حقًا أم أنها أقنعت نفسها بأنها توقفت عن الحلم وهذا هو موت السرد بالصمت ومن منظور ريكور اللامبالاة ليست مجرد كسل هي استراتيجية وجودية لحماية الذات من الألم فتخيل أنت رويت قصة جميلة عن مستقبلك ثم انهارت كلها كل مرة تتذكر فيها القصة تتألم فماذا تفعل تتوقف عن رواية أي قصة وتحمي نفسك من الألم المتوقع لكن الثمن هو أن تتوقف عن أن تكون ذاتًا وتصبح مجرد شيء يعيش لا شخص يحيا فـ نوران تبيع الأساور على يدها جسدها حي لكن سردها مات وهذا في فلسفة ريكور شكل من أشكال الموت.

أحمد يعيش صراع الحكايات وحالة معاكسة لم يتوقف عن السرد بل هو غارق في سردين متناقضين لا يستطيع الاختيار بينهما ولا يستطيع تركيبهما يحمل في رأسه ثلاث حكايات عن نفسه الحكاية الأولى أنا ضحية مؤامرة أنا صاحب الحق والثانية الحكاية النقدية ربما كنا مخطئين ربما أخطأنا في الحكم أو القرارات ربما أنا شريك في الخطأ والثالثة الخارجية التي تقال من آخرين عنه أنا عدو الوطن أنا من يجب أن يخجل هذه الحكايات لا يمكن أن تعيش معًا في سلام كل واحدة تقدم هوية مختلفة أحمد ينتقل بينها كرجل يرتدي أقنعة متعددة لكنه لا يعرف أيها وجهه الحقيقي النتيجة تشتت الذات وشعور دائم بأنه ليس شخصًا واحدًا بل عدة أشخاص يتقاتلون داخله وفي الحالة الطبيعية السرد هو الذي يوفق بين الثبات والتغير لكن أحمد عاجز عن بناء سرد يوفق بين ثباته الأخلاقي أنا شخص أؤمن بالعدل وأتمسك بقناعاتي وتغيره الواقعي أنا الآن مختلف عما كنت عليه قناعاتي تغيرت لكني لا أعرف كيف وبدون سرد يربط بين الاثنين يشعر أحمد أن هويته مكسورة ليس لديه جسر يعبر به من أنا الأمس إلى أنا اليوم فيصبح أنا معلقًا في الفراغ.

الاكتئاب كفقدان للتماسك السردي

من منظور ريكور الاكتئاب ليس فقط خللاً في الناقلات العصبية هو انهيار القدرة على بناء سرد متماسك للحياة المكتئب يرى حياته كسلسلة من الأحداث العشوائية أو كتكرار ممل بلا هدف أو كطريق مسدود لا يستطيع أن يجد بداية لمعاناته ولا نهاية محتملة ولا صراعًا له معنى وأحمد ليس مكتئبًا سريريًا ربما لكنه يعيش حالة ما قبل الاكتئاب العجز عن تأليف قصة مقنعة عن نفسه وهذا العجز يستهلك طاقته النفسية أكثر من أي حدث خارجي.

سارة تمثل نموذجًا ثالثًا أكثر تعقيدًا وهو موت السرد بكثرة الحكايات المتناقضة وفي لغة ريكور سارة هي شخص بلا حبكة حياتها ليست قصة ذات بداية ووسط ونهاية بل هي مجموعة من الحلقات المنفصلة كل حلقة تتناقض مع التي تليها وهذا ليس اضطرابًا نفسيًا بل هو انعكاس لانهيار الذاكرة الجماعية نفسها وكل مرحلة من مراحل سارة الفكرية كانت مرتبطة بحكاية جماعية كبرى الحكاية الشيوعية عن الصراع الطبقي والحكاية الليبرالية عن الفرد الحر والحكاية النسوية عن التحرر من الأبوية والحكاية القومية عن السيادة والمقاومة لكن هذه الحكايات الكبرى في سياق ما بعد 2011 أصبحت متزعزعة الثورة وعدت بتغيير شامل لكنها لم تف بوعدها فانكشفت هشاشة كل الحكايات.

سارة لم تتحول إلى شخصية واحدة ثابتة مثل نوران ولا إلى صراع بين حكايتين مثل أحمد لقد تحولت إلى مجموعة من الشخصيات المتعاقبة وكل شخصية تعتقد أنها الحقيقة المطلقة ثم تتبخر واليوم تجلس أمام شاشة هاتفها تمر على منشوراتها القديمة فتشعر بالرعب لا تستطيع حذف الماضي لأن حذفه سيكون كذبًا لكنها لا تستطيع أيضًا ضمه لأنه لا يلتئم فتعيش في حالة من التشتت السردي المزمن سارة ليست استثناء هي نموذج لجيل كامل عاش أطيافًا فكرية متسارعة ومتناقضة من اليمين إلى اليسار من التدين إلى الإلحاد من العولمة إلى القومية كل محطة كانت تقدم لهم هوية جاهزة يرتدونها ثم يخلعونها والنتيجة شعور عميق بالضياع وانهيار القدرة على الإجابة عن السؤال البسيط من أنا ثم يأتي العصر الرقمي ليحول هذا الموت السردي الفردي إلى وباء جماعي.

من السرد الطويل إلى الصورة المقطعة

في الماضي كانت الذاكرة الجماعية تُصنع من أعلى إلى أسفل الدولة عبر التلفزيون والكتب المدرسية أو المعارضة عبر المنشورات والأنشطة السرية كان هناك وقت للنقاش وقت للتفكير ووقت لبناء الحبكة واليوم كل شخص هو ناشر وراو وهذا أعطى صوتًا للمهمشين لكن للعملة وجهًا آخر فالذاكرة الجماعية أصبحت هشة وسطحية وسريعة التبدل لأن المنصات الجديدة تفضل المحتوى القصير ثلاثون ثانية أو أقل فيديوهات التيك توك عن ثورة يناير لا تتجاوز هذه المدة وتعيد تركيب الأحداث بشكل درامي مكثف بلا سياق وبلا تاريخ بلا مصادر والنتيجة مشاهد يخرج بانطباع عاطفي قوي لكن بفهم مشوه تمامًا لما حدث.

ريكور حذر من هذا قبل عقود فالسرد الحقيقي يحتاج إلى زمن يحتاج إلى بداية ووسط ونهاية إلى حبكة إلى تطور إلى تأمل فالصورة المقطعة لا تستطيع بناء مؤامرة حقيقية وتقدم لنا مشاهد بدون سياق ولحظات بدون تاريخ وانفعالات بدون مسار والنتيجة هي شرخ في الذاكرة الجماعية حيث يصبح الماضي مجرد مجموعة من الصور المتفرقة التي يمكن إعادة تركيبها بأي شكل ولأي غرض لكن الأخطر هو السرد المختزل الذي لا يقاوم التزييف إذا أردت تزوير تاريخ طويل ومعقد تحتاج إلى جيش من المؤرخين والمحققين أما إذا أردت تزييف ذاكرة الجماعة فكل ما تحتاجه هو فيديو مدته ثلاثون ثانية وموسيقى درامية وتعليق عاطفي ولقطات قديمة تعاد نشرها وكأنها حديثة ومقاطع من مظاهرات قبل خمس عشر عامًا تقدم على أنها اليوم يعاد تركيبها لخدمة سرد معين كل هذا يحدث دون أي إشارة إلى المصدر أو التاريخ وجيل كامل لا يعرف ما حدث فعلاً لكنه يعرف كيف يشعر تجاه ما يعتقد أنه حدث.

الشخصية مقابل الذات في العصر الرقمي

في ثقافة المنصات لا يُطلب منك أن تكون متماسكًا عبر الزمن يُطلب منك أن تكون مثيرًا للاهتمام في اللحظة الحالية فالماضي لا يحاسبك عليه أحد يمكنك أن تكون شيوعيًا اليوم ليبراليًا غدًا قوميًا بعد غد ولا أحد يتذكر أو يتذكر الجميع لكن لا أحد يهتم والفرق بين شخصية وذات يصبح حادًا هنا فالشخصية هي ما تلعبه اليوم وغدًا يمكنك تغييرها وتعيش في الحلقة القصيرة الستوري التغريدة المنشور العابر أما الذات هي من يحمل تاريخك كله تقول كل هذه المحطات كانت لي وهي التي شكلتني وأنا لا أنكر واحدة منها ثقافة المنصات تجعلنا ماهرين في إنتاج الشخصيات وضعفاء في بناء الذوات سارة وأحمد ليسا استثناء بل نموذجان لجيل كامل يمر بتحولات فكرية سريعة دون أن يجد الأدوات اللازمة لربط هذه التحولات في حكاية واحدة.

الذاكرة الجماعية بين التاريخ والحكاية

هذا يقودنا إلى السؤال الأكثر إيلامًا من يملك الحق في أن يقرر كيف نتذكر؟

بول ريكور رأى أن هناك توترًا لا ينحل في صميم علاقتنا بالماضي فمشروع التاريخ العلمي يحاول تعليق الحكاية لصالح التحليل ويريد المؤرخ أن يكون مثل الطبيب الشرعي يفتح الجثة يفصل الأعضاء يسجل الوقائع دون أن يسمح لعينيه أن تدمعا لكن ريكور اكتشف أن حتى أكثر التشريحات موضوعية لا تستطيع الهروب من السرد لأن المؤرخ عندما يكتب يختار أي الأحداث يذكر وأيها يدفن في النسيان ويرتبها في بداية ووسط ونهاية ويستخدم لغة تحمل تأويلًا فالتاريخ حتى في أشد لحظاته علمية يظل حكاية وأن الذاكرة الجماعية ليست مسؤولية المؤرخين بل مسؤولية الجماعة الحية تعيش على الحكايات المؤسسة والأساطير والروايات الوطنية وأيام الانتصار والهزيمة لا تخضع هذه الحكايات للتدقيق لأنها تؤدي وظيفة أعمق كالحفاظ على تماسك الجماعة ومنحها هوية تبرير وجودها في العالم وقد تبالغ وقد تنسى وقد تختزل لكنها تفعل ذلك لأن الجماعة تحتاج إلى حكاية لكي تتنفس.

لكن المأساة تبدأ عندما تتصادم ذاكرتان جماعيتان أو عندما تصطدم الذاكرة الجماعية بالحقيقة كما في مصر بعد 2011 فهذا الصدام لم ينتج رواية واحدة جامعة بل أنتج جثثًا سردية متعددة وكل تيار سياسي بنى حكايته لكن الأكثر إيلامًا هو أولئك الذين لم ينتموا لأي تيار والذين كانوا مجرد جسد في الميدان مجرد حلم بوظيفة وكرامة وعدالة هم الذين دفعوا الثمن ثم انسحبوا وانسحابهم لم يكن هروبًا بل كان موتًا بطيئًا للقدرة على الحكي وفي النهاية السؤال الأعمق ليس من يملك سلطة التذكر بل كيف يمكننا استعادة القدرة على التذكر معًا ولأن الذاكرة الجماعية ليست ملكًا يُورث ولا تراثًا يُقتسم هي مسؤولية حية تُمارس يوميًا كمسؤولية الأحياء تجاه الموتى وهو أن لا تترك حكاياتهم تموت مرة أخرى ومسؤولية تجاه الأحياء الآخرين وهو أن لا تكذب عليهم بحكاية واحدة مختزلة ومسؤولية تجاه المستقبل هو أن لا ترثهم حربًا بلا نهاية وأنقاضًا بلا حكاية تشرح لماذا انهار كل شيء.

نحو استعادة السرد بعد الانكسار هل من مخرج

المخرج الذي يقترحه ريكور ليس سهلًا لكنه ممكن ويتطلب خطوات وجودية وجماعية معًا أولها الاعتراف بأن السرد القديم مات ونوران لن تعود إلى حلمها القديم وأحمد لن يعود إلى يقينه القديم وسارة لن تعود إلى شيوعيتها الأولى وأول خطوة للشفاء هي أن تقول بصدق قاس ذلك الفصل انتهى وتلك الشخصية التي كنتها ماتت وثانيها تحمل ألم الفراغ السردي فبعد موت السرد القديم هناك فراغ هذا الفراغ مؤلم ونوران تملأه باللامبالاة وأحمد بالصراع وسارة بالتنقل السريع لكن الفراغ يمكن أن يكون رحم ولادة جديد إذا تحملناه فالسرد الجديد يولد من رحم الصمت الذي يسبقه.

لا تحتاج نوران إلى سرد بطولي جديد لا تحتاج إلى أيديولوجية جديدة يمكنها أن تبدأ بحكاية صغيرة جدًا أنا امرأة أبيع الأساور أحيانًا أشعر بالملل وأحيانًا أضحك مع صديقاتي أنا لست سعيدة لكني لست ميتة ولا تحتاج سارة إلى حقيقة مطلقة جديدة يمكنها أن تقول أنا امرأة أبحث عن الحقيقة أحيانًا أجدها وأحيانًا أضيع لكني ما زلت أبحث وكل محطة كانت جزءًا من بحثي ولا يحتاج أحمد إلى يقين جديد يمكنه أن يقول كنت أبحث عن المعنى بصدق في كل محطة أخطأت وتعلمت أنا لست نفس الشخص وهذا ليس عيبًا هذا هو ما يعنيه أن تكون إنسانًا.

هذه الحكايات الصغيرة هي بداية لأن الهوية السردية لا تُبنى دفعة واحدة ولا بضجة تُبنى خيطًا خيطًا هي حكاية صغيرة فوق حكاية صغيرة حتى ينسج منها نسيج يمكن العيش فيه.

يمكن لسارة أن تعيد تأويل تنقلاتها ليس كدليل على تذبذبها بل كدليل على فضولها الفكري وشجاعتها في تغيير قناعاتها يمكن لأحمد أن يعيد تأويل رحلته ليس كسلسلة من الأخطاء بل كرحلة بحث صادقة عن المعنى ويمكن لنوران أن تعيد تأويل صمتها ليس كهزيمة بل كفترة راحة ضرورية قبل حكاية جديدة فالماضي لا يتغير لكن معناه يمكن أن يتغير وهذا هو جوهر السرد ليس ما حدث بل كيف نروي ما حدث.

خلق فضاء آمن للحكي

لكن هذا المخرج يتطلب شيئًا لا تملكه نوران وأحمد وسارة اليوم يتطلب فضاء آمن للحكي فضاء لا يُطلب فيه منك أن تتبنى رواية جاهزة ولا أن تدافع عن نفسك ولا أن تثبت براءتك فضاء فقط تروي فيه ما حدث لك دون خوف من الاتهام أو السخرية أو النبذ هذه الفضاءات الآمنة غائبة وغيابها هو الذي يجعل نوران تلتزم الصمت وسارة تغرق في تناقضاتها وأحمد يغرق في صراعه الداخلي والذاكرة الجماعية تتفكك أكثر كل يوم.

خلاصة فلسفة ريكور الأعمق الإنسان ليس كائنًا له سرد بل هو سرد له إنسان نحن لا نملك قصصنا لكن قصصنا تملكنا وعندما تتوقف قصصنا عن الجريان نتوقف نحن عن الوجود بالمعنى الإنساني الكامل.

نوران أحمد سارة لم يموتوا جسديًا لكن جزءًا منهم مات وقدرتهم على حكاية أنفسهم ككائنات متطورة ومتغيرة وحية هم يعيشون الآن في حالة سردية ناقصة بين الموت الكامل والحياة الكاملة وهنا يحضر السؤال الذي يوجه إلى كل من عاش انكسارًا هل يمكن للصمت أن يتحول مرة أخرى إلى حكاية هل يمكن للألم أن يجد لغة هل يمكن للهزيمة أن تصبح فصلًا لا النهاية.

والإجابة ليست في الفلسفة وحدها هي في قرار داخلي في لحظة شجاعة في كلمة تُكتب أو تُقال أو حتى تُهمس في الظلام كنت كذا ثم صرت كذا وما زلت هنا وهذه حكايتي.

نوران لم تصل إلى هذه اللحظة بعد وأحمد لم يصل وسارة لم تصل لكنهم ما زالوا هنا وما داموا هنا فالسرد ممكن والموت السردي ليس نهائيًا وطالما هناك نفس تتنفس وذاكرة تحتفظ وأمل ولو صغيرًا في أن يكون للغد حكاية مختلفة وبين الذات والذات نفسها هناك السرد فإذا توقف السرد توقفت الذات وليس المهم أن تعيش طويلًا بل أن تجعل من حياتك حكاية تستحق أن تُروى حتى لو كانت حكاية انكسار.

ليس المهم أن تعيش طويلًا المهم أن تجعل من حياتك حكاية تستحق أن تُروى وحتى حكاية الانكسار هي حكاية وحتى الصمت يمكن أن يتحول إلى كلمة إذا وجد من يستمع وإذا لم يجد فربما تكون الكتابة وحدها فالكتابة لنفسك هي بداية القيامة السردية والبداية الصغيرة التي قد تكبر وتكبر حتى تصير حكاية يمكن العيش فيها.

الحلقة القادمة لن تكون مجرد تأمل فلسفي بل محاولة للإجابة على السؤال الذي تركته نوران معلقًا في الهواء وهل من مخرج.

أترككم مع سؤال المقال أي هؤلاء الثلاثة يجلس في داخلك ومتى كانت آخر مرة جلست فيها مع نفسك دون هاتف دون ضجيج وحكيت لنفسك حكايتك الكاملة:

متى كانت آخر مرة سمحت فيها لنفسك أن تبكي على حكاية ماتت قبل أن تبدأ حكاية جديدة؟

هل أنت مستعد لأن تصمت قليلًا لكي تسمع حكايتك الحقيقية؟

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

أحمد منتصر
مفاوضات إيران والولايات المتحدة.. فشل دبلوماسي يهدد استقرار المنطقة!
شيماء سامي
عن أحمد دومة.. وعن نفسي.. وعن الجميع
وجبة الرنجة
قبل الرنجة والفسيخ في شم النسيم.. 3 نصائح طبية عاجلة
الأهلي
أزمة الأهلي والاتحاد تتصاعد.. وأنباء عن اجتماع طارئ لمجلس الإدارة اليوم

أقرأ أيضًا

علي ابراهيم
"قاتل بسنت".. صرخة ما قبل السقوط
IMG-20260411-WA0013
100 يوم بدون صحافة ورقية
هارون الهواري
شخصياتٌ لا تُنسى.. ونفوسٌ نتمنى نسيانها
IMG-20260411-WA0001
حسني سبالة يكتب.. يا نائح العرب.. أشباه مآسينا في التجرؤ على مصر