شهدت مصر خلال السنوات الأخيرة تحولات واضحة في منظومة التعليم، لا سيما داخل المدارس الخاصة والدولية، ولم يعد الاختلاف مقتصرًا على المناهج أو أساليب التدريس، بل امتد ليشمل شروط قبول الطلاب نفسها، إذ تحولت من معايير أساسية تتعلق بعمر الطفل والقدرة المالية لولي الأمر، إلى اشتراطات يصفها أولياء الأمور بالتعسفية، تشمل حصول الأب والأم على مؤهلات عليا، واجتيازهم مقابلات شخصية، فضلًا عن إخضاع الأطفال لاختبارات قدرات رغم أن بعضهم لا يتجاوز عمره ثلاث سنوات.
قضية رمضان صبحي.. طرف الخيط
أثارت قضية اللاعب رمضان صبحي جدلًا كبيرًا حول أزمة شروط قبول بعض المدارس الدولية، والتي تشترط حصول أولياء الأمور، لا سيما الآباء، على مؤهل تعليمي عالٍ كشرط لقبول أبنائهم، وهو ما اعتبره الجميع مخالفًا للدستور. وأكدت وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني عدم وجود قرار وزاري أو قانوني بهذا الأمر، وأن حق التعليم مكفول لأي طالب، ولا يتعلق التقديم للمدارس بالمستوى الاجتماعي، وناشدت أولياء الأمور بالتواصل مع الوزارة مباشرة في حال وجود أي شكوى من هذا النوع لاتخاذ الإجراءات المناسبة مع المدرسة.
ضغوط على الطفل وأسرته
بدورها قالت داليا الحزاوي، الخبيرة التربوية ومؤسس “ائتلاف أولياء أمور مصر”، إن الأسر تعاني حاليًا أثناء رحلة التقديم للمدارس الخاصة لأبنائهم، حيث أصبحت المقابلات الشخصية (الإنترفيو) بمثابة اختبار قاسٍ للأسرة والطفل، تفرض فيه بعض المدارس شروطًا صارمة وغير منطقية لقبول الطلاب دون أي مرونة.
وأوضحت أن بعض المدارس تشترط أن يكون الوالدان حاصلين على مؤهل عالٍ، بالإضافة إلى قياس مستواهم في اللغة الإنجليزية من خلال طرح أسئلة باللغة الإنجليزية خلال المقابلة ومطالبتهم بالرد، وكأن ولي الأمر هو من سيلتحق بالدراسة. كما تتضمن المقابلة أسئلة ذات طابع طبقي مثل: اسم النادي المشترك فيه، هل السكن إيجار أم تمليك؟ ومهنة ولي الأمر؟ وهي أسئلة لا علاقة لها على الإطلاق بمستوى الطالب أو احتياجاته التعليمية.
وحول الطفل، أكدت أنه يخضع لاختبار معقد، كأن المدرسة تريد طالبًا جاهزًا ومتعلمًا، فيُطلب منه التعرف على الحروف والأرقام والأشكال والحيوانات، وغير ذلك من المهارات، بدلًا من أن تكون المقابلة لتقييم الحالة العامة للطفل ومعرفة ما إذا كان يعاني من مشكلات أو صعوبات تعلم. وأضافت أن هذا الوضع يدفع أولياء الأمور للضغط على أطفالهم مسبقًا وتدريبهم بشكل مكثف لحفظ الإجابات قبل الذهاب للمقابلة، ما يحمل الطفل والأسرة فوق طاقتهم.
تكريس للفوارق الطبقية
قال الدكتور طلعت عبدالحميد الحميد، أستاذ أصول التربية بجامعة عين شمس، حول اشتراط بعض المدارس حصول ولي الأمر على مؤهل عالٍ أو إجادة لغة أجنبية، إن هذا يتعلق بشقين؛ من جهة هناك تفرقة طبقية، ولكن من جهة أخرى تهدف المدارس إلى وجود متابعة مستمرة للطلاب من أولياء الأمور.
وأضاف أن ذلك يعد نوعًا من الاستباق لما سوف يحدث، ولكن من وجهة نظر ولي الأمر فهذا ليس سوى تمييز طبقي، لذلك من الضروري مراعاة كافة المصالح دون الانحياز لفئة على حساب أخرى.
وعبر عبدالحميد عن أسفه قائلًا: “إن التعليم أصبح يكرس الفوارق الطبقية، رغم أن هدفه الأساسي هو تكوين مواطن منتمٍ للوطن ككل، وليس للطبقة التي ينتمي إليها فقط”، مشيرًا إلى أن هذا النهج قد بدأ منذ عدة سنوات حينما بدأ ما يسمى بالانفتاح، ما أدى إلى تكريس التفاوت الطبقي، وأن الاختلاف هو سمة أساسية في البشر.
ودعا إلى أن تكون الشروط موحدة بقدر الإمكان، فمستوى الأب التعليمي لا يعني أن طفله سيرثه منه، فلا بد ألا تكون المادة هي الفيصل للقبول.
وأكد عبدالحميد أن هذه السياسات ليست سوى شروط اجتماعية واقتصادية، وأنها ليست قاعدة تسري على جميع طبقات المجتمع، بل تعكس التوجه الذي يحكمه جماعات الضغط والقوى الاجتماعية، فيظل اقتصاد البلد يسيطر عليه من يسودون في المجتمع ويوجهونه، وهم أيضًا أصحاب القرار.
وحول قيام بعض المدارس باختبارات للأطفال عند التقديم، علّق الدكتور عبدالحميد قائلًا: “يتوقف ذلك على نوايا المؤسسة التعليمية، ما إن كان يطبق ذلك من ناحية تربوية لتحديد قدرات الأطفال وما إذا كانوا متقاربين، أو وفقًا لرؤية من يضع هذه السياسات”.
الاختيار للقدرات وليس الأصل الاجتماعي
وأضاف متسائلًا: “هل نحن نريد تربية أي مجتمع؟ والتركيز يتم على المجتمع الذي نريده، وذلك يحذر من إرادة بعض الأشخاص لتحويل المجتمع إلى مجتمع يخضع للطبقية من خلال تعدد النظم التعليمية بين تعليم حكومي وخاص وأجنبي، فلا يدل ذلك سوى على فوضى كبيرة داخل منظومة التعليم، مما يؤثر سلبًا على مفهوم المواطنة. كما أن الدستور كفل للمواطن حق التعليم، بينما تقول بعض السياسات إن هناك نوعًا من التعليم غير مسموح به لبعض الناس نتيجة لمستواهم الاجتماعي وليس بناءً على قدراتهم، فمن الضروري إعادة النظر في ذلك، وأن يكون التعليم قائمًا على قدرات الفرد وليس أصله الاجتماعي”.
وأكد الدكتور طلعت عبدالحميد أن الأطفال وأولياء الأمور لا تقع عليهم أي مسؤولية أو إجراء لاتخاذه لمواجهة تلك الشروط، وأن الأمر يتعلق بالمنظومة التعليمية وسياساتها ومن يديرها، وعلى رأسها وزير التربية والتعليم، وأضاف أن الوزير لا يمثل نفسه إنما يمثل شريحة بعينها في مجتمع وضعه بهذا المنصب.
وبخلاف قضية رمضان صبحي، نجد أيضًا فيديو تم تداوله في الأيام الأخيرة على إحدى منصات التواصل الاجتماعي للمؤثرة جنة إسماعيل، حيث كانت تشكو من رفض طلب طفلتها للالتحاق بأحد المدارس، والتي تبلغ من العمر عامين و9 أشهر، حيث تشترط بعض المدارس التقديم قبل عام من التحاق الطالب بالمدرسة أو الحضانة. وقالت جنة إنه طُلب منهم عمل Assessment للطفلة، والذي تم بين مجموعة أطفال، وجاء بعد ذلك رد المدرسة برفض قبول الطفلة بحجة أنها غير متكلمة ولا تستجيب للكلام، الأمر الذي أثار دهشة الأم ودفعها للتساؤل عن المعايير المطلوبة من طفلة في الثالثة من عمرها.
مخاطر نفسية واجتماعية
وقال الخبير التربوي الدكتور تامر شوقي إن ربط قبول الأطفال بالمدارس الخاصة أو الدولية بحصول الوالدين على مؤهل عالٍ أو إجادة لغة أجنبية يترتب عليه العديد من المخاطر النفسية والاجتماعية والتعليمية، سواء على الطفل أو الأسرة أو المجتمع ككل.
وأوضح أن أخطر هذه المخاطر تتمثل في معاقبة الطفل على أمر لم يرتكبه، إذ يُحاسب بسبب المستوى التعليمي لوالديه، رغم أن هذا المستوى قد يكون ناتجًا عن ظروف اجتماعية أو اقتصادية خارجة عن إرادتهما. وأضاف أن هذا النهج يتعارض مع المبادئ الدينية التي تؤكد أن كل إنسان يتحمل مسؤولية أفعاله فقط، كما يعد نوعًا من العقاب الممتد للوالدين وأبنائهم على حد سواء.
وأشار شوقي إلى أن هذه الشروط تتعارض بشكل صريح مع الدستور والقانون، وكذلك مع رؤية مصر 2030، التي تنص على تحقيق العدالة التعليمية وإتاحة التعليم للجميع دون تمييز، مؤكدًا أن تكافؤ الفرص التعليمية يعد أحد المحاور الأساسية للرؤية الوطنية.
وأكد أن افتراض ضعف المستوى الدراسي لأبناء ذوي التعليم المتوسط، أو تفوق أبناء الحاصلين على درجات علمية مرتفعة، لا يستند إلى أي أساس علمي، موضحًا أن التحصيل الدراسي لا يورث، ولا يرتبط بالضرورة بالمستوى التعليمي للوالدين.
وشدد الخبير التربوي على أن المعيار التربوي السليم لقبول الأطفال يجب أن يقوم على قياس الاستعدادات العقلية والنفسية للطفل من خلال اختبارات بسيطة ومناسبة لعمره، وليس على خلفية الأسرة الاجتماعية أو التعليمية. وأضاف أن الطفل قد يكون غير مناسب لنوع معين من التعليم حتى وإن كان والداه من أصحاب المؤهلات العليا، والعكس صحيح.
تخلق حالة من الغضب والاحتقان
وأضاف أن هذه السياسات تؤدي إلى تعميق الانقسامات الطبقية داخل المجتمع، وتخلق حالة من الاحتقان والضغينة بين الأسر، فضلًا عن وصم بعض العائلات اجتماعيًا باعتبارها غير مؤهلة للالتحاق بمستوى معين من التعليم، محذرًا من انتقال هذه الممارسات التمييزية إلى مؤسسات أخرى مثل الأندية الرياضية والمستشفيات والجامعات الخاصة.
وفيما يتعلق بالبدائل التربوية، أوضح شوقي أن وزارة التربية والتعليم نفت مسؤوليتها عن هذه القرارات، مؤكدًا أنها قرارات داخلية لبعض المدارس الخاصة ومخالفة لتعليمات الوزارة. ودعا إلى إخضاع عملية القبول لإشراف ورقابة حقيقية من الوزارة، مع فتح قنوات رسمية لتلقي شكاوى أولياء الأمور في حال رفض أبنائهم لأسباب غير تربوية.
نحتاج لمنصة مركزية للتقديم
واقترح إنشاء منصة مركزية تحت إشراف وزارة التربية والتعليم لتنظيم عملية التقديم للمدارس الخاصة والدولية، بما يضمن الشفافية ويمنع التحايل، مثل الادعاء باكتمال الأعداد كذريعة لرفض بعض المتقدمين دون مبرر واضح.
كما حذر شوقي من التأثير النفسي والاجتماعي لهذه الممارسات، فقد تشعر الطفل بالدونية وافتقاد العدالة، وقد تؤدي إلى فقدانه الثقة في المجتمع وفي نفسه، فضلًا عن تدهور علاقاته الاجتماعية، وربما دفعه مستقبلًا إلى سلوكيات عدائية تجاه المجتمع الذي شعر برفضه.
ووجه الخبير التربوي نصيحة لأولياء الأمور بضرورة حماية أطفالهم نفسيًا في حالات الرفض، وعدم إبلاغهم بأن السبب يعود إلى مستوى تعليم الأسرة أو ظروفها الاجتماعية، والاكتفاء بتقديم مبررات بديلة مثل بُعد المدرسة أو ارتفاع مصروفاتها، مؤكدًا أن الأهم هو الحفاظ على الصحة النفسية للطفل وعدم تحميله أو أسرته شعورًا بالذنب أو النقص.
معاناة أخرى وعدم رد مبالغ التقديم
وبالعودة إلى داليا الحزاوي، أشارت إلى معاناة أخرى، وهي مصروفات استمارة التقديم (الأبليكشن) التي تطلبها المدارس عند التقديم، حيث لا تلتزم بعض المدارس برد المبلغ في حالة الرفض أو خصمه من المصروفات عند القبول، مما يضع عبئًا ماليًا إضافيًا على ولي الأمر الذي يضطر للتقديم في أكثر من مدرسة لضمان قبول ابنه في واحدة على الأقل.
وأشادت داليا الحزاوي برد وزارة التربية والتعليم بشأن التوضيح بعدم وجود أي قرار يشترط حصول ولي الأمر على مؤهل عالٍ لقبول الطالب في المدارس الخاصة أو الدولية، معتبرةً أن هذا التوضيح الصريح يعزز مبدأ تكافؤ الفرص، ويرفض التمييز أو الطبقية في التعليم، ويجعل المدارس تلتزم بتعليمات الوزارة حتى لا تتعرض للمحاسبة.
كما طالبت وزارة التربية والتعليم بضرورة توفير خط ساخن لأولياء الأمور لحمايتهم من الاستغلال الذي تمارسه بعض المدارس أثناء التقديم، وكذلك متابعة المدارس الخاصة والدولية بصفة مستمرة في موسم التقديمات.
ودعت أولياء الأمور إلى التحلي بالإيجابية وعدم التهاون في حقوقهم، والإبلاغ عن المخالفات التي يتعرضون لها عند التقديم لأبنائهم.