تمر الأمم بلحظات تتجاوز فيها الأزمات حدود السياسة والاقتصاد، لتصطدم بأزمة أعمق تتعلق بوعي المجتمع وقدرته على إدراك ما يحدث حوله.
وفي مثل هذه اللحظات، تتجه الأنظار نحو المثقفين بوصفهم ضمير الأمة وحراس وعيها، فهم القادرون على قراءة الواقع وتفسيره، وعلى حماية العقل الجمعي من الانزلاق نحو التبعية أو الخداع.
فالمثقف الحقيقي لا يكتفي بالمراقبة أو التبرير، بل يسعى إلى الفعل والتأثير، يضيء الطريق حين يعم الظلام، ويستنهض العقول حين يطول الصمت.
وفي مصر، كان المثقفون عبر تاريخها مرآة لحالها، يتقدمون الصفوف حين يشتعل الأمل، ويتراجعون حين يعلو الخوف.
فمن مشروع محمد علي التنويري، إلى معارك الفكر في عصر مبارك، مرورًا بحراك ما بعد ثورة يناير، وصولًا إلى حالة الصمت والغياب بعد 30 يونيو، ظل السؤال حاضرًا: كيف انتقل من موقع القيادة إلى مقاعد المراقبة؟ وكيف تحولت رسالته من التنوير إلى التبرير؟
“إن جميع الناس مفكرون، ولكن وظيفة المثقف أو المفكر في المجتمع لا يقوم بها كل الناس”.
هكذا عرّف المناضل والفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي المثقف في مذكراته بعد أن سجنه موسوليني عام 1926.
التاريخ مليء بنماذج من المثقفين الذين ساهموا في بناء المجتمعات فكريًا وثقافيًا، ولعل ما قام به محمد علي باشا يُعد نموذجًا استرشاديًا لدور المثقفين في نهضة المجتمعات.
اعتمد محمد علي في بناء نهضته على تعظيم دور الثقافة والمثقفين، من خلال خلق كوادر مثقفة تقود تلك النهضة؛ حيث اهتم بإرسال البعثات العلمية إلى أوروبا ليُنشئ جيلًا جديدًا يشاركه في بناء نهضة المجتمع ورفع مستوى الوعي.
وفي إيطاليا، كانت حركة النهضة الثقافية التي ظهرت مع بداية القرن الرابع عشر الميلادي بمثابة نقلة فكرية وثقافية ساهمت في تطور المجتمع الإيطالي في مختلف المجالات، وامتد تأثيرها إلى جميع أنحاء أوروبا.
قاد المثقفون عصر النهضة في أوروبا، وامتد دورهم خلال الثورة الصناعية والثورة الفرنسية.
كما شكّل مفهوم “معركة الأفكار” سلاحًا استراتيجيًا استخدمه فيدل كاسترو في قيادة كوبا نحو التحرر.
استخدم كاسترو “معركة الأفكار” كترسانة للذخائر الفكرية، واستغلها في قيادة نضال ذي طابع أيديولوجي من خلال تعبئة عقول النخبة والمثقفين بالأفكار، والذين بدورهم نقلوها إلى الشباب وكل فئات الشعب.
وفي عام 1913، شهد العالم مولد ألبير كامو، أحد المثقفين الذين جسدت كتاباتهم وأعمالهم الفنية فصلًا جديدًا من نضال المثقفين.
ساهم الإنتاج المعرفي والفلسفي لكامو — وبالتحديد روايتيه “الغريب” و”الطاعون” — في دخوله تاريخ الأدب والفكر كأحد أصغر الكُتّاب الحاصلين على جائزة نوبل للآداب.
اشتبك كامو في كتاباته وأعماله مع قضايا العدمية، والثورة، والمقاومة، والحرية، ولم يتوقف نضاله عند هذا الحد، بل انضم إلى صفوف المقاومة الفرنسية ضد النازية، وتولى إدارة صحيفة “كومبا” التي كانت تُنشر سرًا
المثقفون في عصر مبارك
خاض المفكرون والمثقفون المصريون معارك عديدة في مواجهة نظام مبارك، وشهدت تلك الفترة علاقة فاترة بين المثقفين والرئيس الأسبق.
ولعل الجميع يتذكر مقولة الأستاذ محمد حسنين هيكل، الذي كررها في أكثر من مناسبة، واصفًا نظام مبارك بأنه نظام “شاخ على مقاعده”، وقد خرج هذا الوصف لأول مرة في رسالته التي أرسلها إلى مجلس نقابة الصحفيين عام 1995 تضامنًا مع حراك الجماعة الصحفية ضد القانون رقم 93 لسنة 1995، الذي صدر للتضييق على حرية الرأي والتعبير وتشديد العقوبات في قضايا النشر.
خاضت الجماعة الصحفية وقتها، ومعها المثقفون، واحدة من أهم المعارك السياسية لإسقاط هذا القانون سيئ السمعة.
بدأت الأحداث بنشر القانون في الجريدة الرسمية، وسرعان ما تحركت الجماعة الصحفية، ودعت إلى اعتصام داخل مقر نقابة الصحفيين، واحتجبت صحف الوفد والشعب والأحرار والأهالي.
واستمر هذا الحراك حتى انتصرت الإرادة الصحفية، وتم إسقاط القانون.
ظلت حركة المثقفين طوال فترة حكم مبارك لا تكف عن الاشتباك مع مظاهر الاستبداد السياسي والاجتماعي، وشكّلت الندوات الثقافية والمناظرات الفكرية حائط صدٍّ تحطمت أمامه محاولات النظام السياسي لتدجين المثقفين وتطويعهم لخدمة مصالحه.
ومع نهاية التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، ظهرت العديد من الصحف المعارضة، مثل صحيفة الدستور التي كان يرأس تحريرها إبراهيم عيسى آنذاك، ولعب عيسى دورًا كبيرًا في تبنّي الأقلام الشجاعة من مختلف التيارات، واتسمت موضوعاتها ومقالاتها بالجرأة الشديدة في الطرح والأسلوب.
ساهم ذلك في زيادة الوعي المجتمعي بخطورة حالة الاستبداد السياسي السائدة آنذاك، إضافة إلى تغذية العقل الجمعي الشعبي بما يُحاك حوله، مستخدمًا لهجة عامية ساخرة وبسيطة في تناول القضايا المختلفة.
دفع كثير من الكُتّاب والمثقفين في فترة مبارك أثمانًا باهظة في سبيل معارضتهم لملف التوريث، وفي مقدمتهم الكاتب الصحفي عبد الحليم قنديل، رئيس تحرير جريدة صوت الأمة، الذي روى في مقابلة تلفزيونية بعد ثورة 25 يناير أنه تعرض للتنكيل والخطف والتعذيب عام 2006، عقابًا على مقالاته التي عارض فيها مشروع التوريث، ووصفه للسيدة سوزان مبارك بأنها “شجرة الضر” بالضاد، تعبيرًا عن ما نتج عنها من ضرر.
وضرب الدكتور فوزي فهمي، رئيس المركز القومي لثقافة الطفل، مثلًا في نزاهة المثقف خلال فترة حكم مبارك، إذ ظل يرفض على مدار ثلاثين عامًا ترشيحه لجوائز الدولة، ومنها جائزة النيل وجائزة مبارك، مبررًا ذلك بكونه يشغل موقعًا قياديًا في وزارة الثقافة.
كان هذا الموقف مثار دهشة في حينه، لكنه ظل نموذجًا لما كانت عليه حالة المثقفين في تلك الفترة، ومدى تفهّمهم لطبيعة أدوارهم كقادة رأي وفكر، وحرصهم على التجرد من أي تكريم قد ينال من مصداقيتهم ونزاهتهم، التي تمثل رأس مالهم الحقيقي في قيادة الحراك الفكري والثقافي.
شهدت حركة النشر في عهد مبارك صدور عشرات الكتب التي تنتقد الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، واستطاع العديد من المثقفين والكتّاب رفع سقف النقد، والدخول في الملفات المحظورة كملف التوريث وغيرها، وهو ما ساهم في تشكيل العقل الجمعي للشعب المصري الرافض لسياسات دولة مبارك، والمدرك لخطورة استمرار هذا النظام.
انتظر المصريون سنوات حتى أتت لحظة التغيير، ونجح الشعب في التخلص من نظام مبارك ودولته العميقة.
المثقفون في مرحلة ما بعد ثورة 25 يناير
تعددت واختلفت التعريفات التي تصف معنى وماهية الثقافة والمثقفين، لكن لم يختلف أحد على دور المثقفين باعتبارهم ضمير المجتمع وذاكرته، وقدرتهم على قيادة دفة الإصلاح الفكري والسياسي، خصوصًا في غياب الأنظمة الديمقراطية.
ويبرز دور المثقفين في فترات التراجع في دراسة وتفنيد عوامل وأسباب هذا التراجع، ووضع استراتيجيات للخروج منه عبر الاشتباك مع الإشكاليات وطرح الرؤى والأفكار.
ومن المفترض أن تشكل مرحلة ما بعد الثورات بيئة خصبة للمثقفين لقيادة المشهد الثقافي والفكري، الذي يُعد المدخل لتأسيس عقلية مجتمعية قادرة على قيادة عملية التغيير.
ولعل الإشكالية الكبرى التي تقع على عاتق المثقفين في فترات التحول الديمقراطي، باعتبارهم طليعة المجتمع فكريًا، هي كيفية المشاركة في بناء نظام سياسي ديمقراطي قائم على المشاركة المجتمعية، وإدراك المواطنين لحقوقهم وواجباتهم.
ولعل ما حدث بعد ثورة 25 يناير كان كاشفًا لتغافل هذه الفئة عن القيام بدورها، إذ اعتقد البعض أن سقوط النظام السياسي وتفكيك بنائه المستبد يعني استواء الحياة السياسية في مصر وبداية قيام دولة ديمقراطية، وهو الاعتقاد الذي ثبت فشله على مدار السنوات الماضية.
فالإصلاح السياسي لن يرى النور دون بناء سياسي جديد،ومشروع ثقافي قادر على معالجة ما أفسدته سنوات الاستبداد، وما تبعها من تراجع فكري في الموروثات الثقافية للمجتمع.
كانت لحظة 25 يناير بمثابة حلم، لم يدرك البعض أنه قد يتحول إلى كابوس يلتهم كل المكتسبات في ظل غياب الوعي والرؤية والتخطيط للمستقبل.
اعتقد البعض، ومعهم المثقفون، أن مهمة الإصلاح قد انتهت، فتشرذمت التيارات السياسية ومثقفوها في معارك صفرية أضعفت قواها في البحث عن دور، وهو ما أجهض كل مساعيها في بناء نظام سياسي يمثل ضمانة للحفاظ على مكتسبات الثورة.
المثقفون وماذا بعد 30 يونيو
على النقيض تمامًا، يسير المثقفون والكتّاب في مواجهة النظام السياسي القائم، واتسمت معاركهم بالسطحية وغياب الحالة النقدية، وكأنهم اختاروا أن يغيّروا مقاعدهم من مقعد المثقف الناقد والمفكر إلى مقعد المثقف المسالم القريب من السلطة. اختلفت أشكال النقد وتراجعت حدّته، وخفتت أصوات المثقفين، وغاب بعضهم عن المشهد، وغُيّب البعض قسرًا.
وعلى الرغم من الأزمات السياسية والاقتصادية التي شهدتها فترة ما بعد 30 يونيو، فإن المثقفين انشغلوا بسفاسف الأمور، ليصطدموا بالمجتمع بدلًا من أداء دورهم الرقابي، وغابت حالة الحراك الفكري، ولم تتناول أقلامهم القضايا السياسية والاجتماعية كما كانت تفعل في عصر مبارك. وانشغل بعض المثقفين بمحاربة التيارات الدينية بدلًا من معالجة جذور التطرف.
وعلى الرغم من إغلاق العديد من الصحف وحجب مئات المواقع وتقلص مساحة النقد، فإن صدورهم لم تضق، ووجدنا نقاشات ومعارك عقيمة تتصدر المشهد، بداية من التشكيك في ثورة 25 يناير، ومرورًا بحديث المعراج، وانتهاءً بـ محاكمة التيك توك.
جميعها نقاشات وصراعات ساهمت في انكفاء المثقفين على الماضي، وتجاهلهم للحاضر بأزماته وللمستقبل بتحدياته وتطلعاته.
تبارى جيل المثقفين الحالي في التقرب من السلطة أملًا في مقعدٍ أكثر أمانًا، وهو تقرّب تنتفي معه صفة المثقف، كما يقول الكاتب والمفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد.
تنحّى المثقفون فجأة عن المشهد — تنحٍ يصل إلى حد التواطؤ — مما أضعف أي بناء سياسي ديمقراطي ممكن، ويمثل تراجع الوعي إدانة لقادة الفكر والتنوير في أي مجتمع، واستسلامهم لحالة الإقصاء في لحظةٍ هي أحوج ما تكون إلى مشاغبات المثقفين وضجيجهم.
تحتاج النخبة المثقفة إلى تصحيح مسارها من جديد، والعودة إلى مقاعدها المؤثرة في مواجهة السلطة. والمواجهة لا تعني بالضرورة المعارضة، لكنها تعني النقد البنّاء وتلاقح الأفكار والرؤى، بما يجعل معادلة الحكم أكثر توازنًا.
ما أحوجنا اليوم إلى عودة المثقفين لأدوارهم، ليتصدروا المشهد من جديد بدلًا من التواري في المقاعد الخلفية — ذلك التواري الذي أفسح الطريق للجهلاء — وهي حالة من المواءمة ستُسهم في تراكم الإشكاليات السياسية والاجتماعية.
إن حراك المثقفين هو إحدى الأدوات التي تستعين بها الأنظمة الرشيدة في مراحل البناء، وخفوت أصواتهم يضعف أي بناء سياسي أو اجتماعي، ويُغلّ يد الدولة في مواجهة الجهل والفقر والتطرف.
إن تشكيل وعي الأفراد، ومن ثمّ المجتمعات، هو أحد أهم ركائز بناء الدولة المدنية الحديثة.
وجهود أي نظام في نهضة المجتمع، وإن صلحت، لن تؤتي ثمارها دون عقليةٍ شعبيةٍ واعيةٍ ومستنيرة.
نحن في لحظةٍ تحتاج إلى معركة أفكار فيدل كاسترو، وأدب ألبير كامو، وفلسفة جرامشي، وفكر إدوارد سعيد، وعقلية هيكل، ومشاغبات إبراهيم عيسى وعبد الحليم قنديل، إذا أردنا صناعة نهضةٍ على غرار نهضة محمد علي باشا أو عصر النهضة في أوروبا.