يجلس السفير رخا أحمد حسن، مساعد وزير الخارجية الأسبق، فوق جبل من الخبرة الدبلوماسية التي تجعله يرى ما لا يراه الآخرون خلف دخان الحروب المشتعلة، في حوارنا معه، لم يكن السفير متفائلاً، لكنه كان “واقعياً” إلى أقصى حد، شرح لنا أزمات المنطقة من السودان إلى ليبيا، وصولاً إلى غزة، وانتقل بنا إلى صراع القوى العظمى، واصفاً المشهد الدولي الحالي بأنه حالة من “الفوضى المنظمة” التي يقودها طموح الأفراد وغياب المؤسسات.
عقدة السودان وليبيا.. حين يسبق “الطمع” صوت العقل
بدأنا حديثنا من الداخل المثخن بالجراح، سألناه: لماذا تفشل كل المبادرات السلمية في دول الجوار مثل ليبيا والسودان؟
بلهجة حاسمة، أجاب السفير رخا: “المشكلة ليست في المبادرات، بل في النوايا. في ليبيا، نحن أمام حالة واضحة من الطمع في السلطة والثروة، وهو ما يعطل أي بارقة أمل للوثاق الوطني أو الانتقال للتنمية. أما في السودان، فالوضع أكثر تعقيداً؛ نحن أمام طرفين يتحصنان بالعناد. كل طرف يريد فرض شروطه كاملة، وهذا ليس حلاً سلمياً بالمرة.
وأضاف: كيف تطلب من “الدعم السريع” نزع سلاحه قبل الوصول لاتفاق؟ هذا مطلب غير واقعي في موازين القوى على الأرض، حيث يمتلك كل طرف حاضنة شعبية ودعماً إقليمياً ودولياً. الحلول الوسط هي الوحيدة القادرة على إنقاذ ما تبقى، لكن العوامل المعرقلة اليوم أقوى بكثير من الميسرة”.
أوكرانيا وتايوان.. صراع “الجدران الأمنية”
انتقلنا بالحديث إلى الصراع الروسي الأوكراني، فكشف السفير عن زاوية غائبة في التحليلات التقليدية:
“أوكرانيا ضحية تحريض”، هكذا وصفها السفير، وأضاف: “الاتفاق التاريخي كان يقضي بأن تظل أوكرانيا وجورجيا وبلاروسيا “جدارًا أمنيًا” عازلًا، لا تنضم للناتو ولا تتسلح ضده. لكن واشنطن حرضت كييف على كسر هذا الجدار، فكان الانفجار الروسي. والآن، ترامب يرى أن أوكرانيا هُزمت وعليها التسليم، بينما يرتعد الأوروبيون خوفاً من تكرار سيناريو ‘هتلر’؛ فهم يدركون أن التهاون مع روسيا في أقاليم معينة قد يفتح شهيتها لابتلاع دول البلطيق”.
وعن تايوان، يفرق السفير رخا بذكاء بينها وبين أوكرانيا: “تايوان جزء لا يتجزأ من الصين باتفاق دولي، والصين منحت مهلة حتى 2027 للحل السلمي أو العسكري. هي قضية سيادة وطنية صينية واضحة، بخلاف تعقيدات الملف الأوكراني”.
زلزال “ترامب”.. هل تنهار منظومة المائة عام؟
وبسؤاله عن “ظاهرة ترامب” وتأثيرها على استقرار العالم، بدت نبرة السفير أكثر قلقاً: “نحن نعيش فترة استثنائية من التوتر ستستمر حتى 2028. ترامب رجل لا يؤمن بالمؤسسات، لا داخل أمريكا ولا خارجها. هو ينسحب من المنظمات الدولية تباعاً ويهدم نظاماً استقر لمئة عام في أربع سنوات فقط. هذا الرجل يجر واشنطن نحو “عزلة اختيارية” ستنتهي مدته قبل أن يحل بها أي مشكلة حقيقية لأمريكا”.
ويضيف السفير ملحوظة ذكية حول “تمرد الحلفاء”: “لقد رأينا في مؤتمر ميونيخ للأمن كيف يحاول ماركو روبيو ترميم ما أفسده ترامب، لكن الأوان قد فات؛ فأوروبا بدأت بالفعل تشق طريقها نحو الهند والصين، بعدما فقدت الثقة في الحليف الأمريكي المتقلب”.
غزة.. حين تقتل “القوة” القانون الدولي
وفي ختام الحوار، سألناه عن الموقف في غزة، فكانت إجابته كاشفة للدور الأمريكي: “في غزة، نحن أمام “تواطؤ صريح”. الولايات المتحدة قدمت القرار 2803 ثم تركته حبراً على ورق دون ضغط حقيقي على إسرائيل. واشنطن عطلت مجلس الأمن وتركت إسرائيل تفعل ما تشاء. هذا هو جوهر الأزمة الدولية اليوم؛ حين تنفرد قوة واحدة بالقرار وتعطل مسارات السلام لمصالح ضيقة، تنتشر “حرب الوكالة” وتتوغل المنظمات المتطرفة في ظل غياب أي عوامل مساعدة للحل”.