في وقتٍ تتراجع فيه بوصلة الاهتمام الدولي عن الكارثة الإنسانية المتفاقمة في قطاع غزة، تتكشف يوما بعد يوم أبعاد أكثر قسوة لمعاناة المدنيين، خصوصًا المرضى والنازحين، في ظل قيود مشددة على معبر رفح، وشحّ حاد في المواد الأساسية، وانهيار شبه كامل للخدمات الحيوية.
في هذا السياق، أجرى موقع “القصة” حوارًا خاصًا مع محمد مصبح، من الهلال الأحمر الفلسطيني، الذي قدم صورة ميدانية شاملة عن آخر التطورات المتعلقة بمعبر رفح، وعمليات إجلاء المرضى، والتدهور الإنساني غير المسبوق داخل القطاع.
الوضع الإنساني.. لم يتحسن بل ازداد سوءًا
يؤكد محمد مصبح، أن الوضع الإنساني في قطاع غزة لم يطرأ عليه أي تحسن مقارنة بالتقارير السابقة، بل على العكس، شهد تدهورًا أكبر، في ظل تراجع واضح في تركيز المؤسسات الإنسانية على الاحتياجات الأساسية للنازحين والمواطنين.
وأوضح، أن ارتفاع الأسعار في السوق المحلي، إلى جانب شح المواد التي تُدخل لأغراض إنسانية حقيقية، زاد من معاناة السكان، لافتًا إلى أن ما يُسمح بدخوله لا يلبّي الحد الأدنى من مقومات الصمود أو الحفاظ على كرامة الإنسان.
ويضيف: “صار التركيز أكبر على الشاحنات ذات الطابع التجاري، والتي تحمل أصنافًا تُعد كمالية حتى في الظروف الطبيعية، فما بالك في وقت الكوارث، بينما تغيب المواد الأساسية من مأكل ومشرب ومأوى”.
أول مهمة إجلاء مرضى عبر رفح.. أرقام تكشف حجم المأساة
وفيما يخص معبر رفح، كشف مصبح عن تنفيذ أول مهمة لإجلاء المرضى اليوم عبر المعبر، بمشاركة الهلال الأحمر الفلسطيني، وبالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية (WHO).
وأوضح تفاصيل القافلة قائلًا: حافلة ركاب واحدة ضمّت 12 مريضًا قادرين على الجلوس، يرافقهم 42 مرافقًا، 3 سيارات إسعاف تابعة للهلال الأحمر الفلسطيني، نقلت 3 مرضى و4 مرافقين، سيارة إسعاف واحدة تابعة لمؤسسة “كابس” الأجنبية، ترافق مهام منظمة الصحة العالمية.
وأوضح: وبذلك، بلغ إجمالي من تم إجلاؤهم: 15 مريضًا 46 مرافقًا، وذلك من أصل 45 مريضًا و93 مرافقًا حصلوا فقط على موافقة أمنية من الجانب الإسرائيلي، وفق ما أفادت به منظمة الصحة العالمية، وهو ما يعكس محدودية الأعداد مقارنة بحجم الحالات الحرجة المنتظرة.
المطر في غزة.. نعمة تتحول إلى نقمة
ومع دخول فصل الشتاء، يشير مصبح إلى أن هطول الأمطار، الذي يُعد نعمة في كل بقاع الأرض، تحوّل في غزة إلى نكبة إضافية على النازحين، حيث تتساقط المياه فوق الخيام المهترئة، لتضاعف من معاناتهم النفسية والجسدية، “كل قطرة مطر تسقط على خيمة، تؤجج من عذاب الناس وأرقهم وتعبهم”.
انهيار الخدمات.. الوقود الحلقة الأخطر
ويحذر مصبح من أن شح الوقود ترك أثرًا غير مباشر لكنه بالغ الخطورة على جميع مقدمي الخدمات، حيث توقفت أو تقلصت أعمال: إزالة النفايات، سحب مياه الصرف الصحي، تعبيد الطرق
حملات الرش والتوعية الصحية، بل إن سيارات الإسعاف نفسها أصبحت تعمل بنظام التقنين، نتيجة محدودية كميات الوقود التي تدخل القطاع.
معدات الإسعاف ممنوعة بذريعة “الاستخدام المزدوج”
كما أعاد مصبح التأكيد على استمرار منع إدخال: قطع غيار وصيانة مركبات الإسعاف، المستلزمات الطبية، الأجهزة الصحية الضرورية بحجج “الاستخدام المزدوج” أو بذريعة تأخير التنسيق أو منعه من الجانب الإسرائيلي، وهو ما يفاقم من شلل المنظومة الصحية ويهدد حياة المرضى بشكل مباشر.
صورة قاتمة وانتظار مفتوح
وفي ختام حديثه لـ”القصة”، شدد محمد مصبح على أن شيئًا جوهريًا لم يتغير في الواقع الإنساني داخل غزة، مؤكدًا أن الاحتياجات الأساسية لا تزال بعيدة عن التلبية، في ظل استمرار القيود والمماطلة، وأن “هذه هي الصورة الكاملة.. ورغم كل شيء، نأمل أن تكون الأيام القادمة أفضل”.