أثارت مطالبة النائب محمد عبدالحفيظ، حكومة المهندس مصطفى مدبولي، بالكشف عن أحدث معدلات الفقر ونتائج بحث الدخل والإنفاق، أثارت العديد من التساؤلات حول هذا الأمر. من بينها السؤال الذي طرحته النائبة إيرين سعيد عن كيفية عرض الحكومة إنجازاتها وهي لم تعرض بحث الدخل والإنفاق منذ عام 2021.
هذا الحديث جعل مسألة غياب تحديث الأرقام الرسمية في هذا الصدد مكشوفة للجميع. وربما يكون بمثابة الخطوة الأولى في طريق تفعيل الرقابة البرلمانية على الآداء الحكومي بشكل جدي في هذا الصدد.
لكن من بين التساؤلات يظل السؤال الأهم، هل تقاعست الأجهزة المسئولة عن آداء عملها في التحديث السنوي لمعدلات الفقر؟ وإذا كان الأمر لا يخرج عن التكاسل فلماذا لم تتحرك الحكومة؟
“القصة” بحث عن الأرقام الرسمية الخاصة بمعدلات الفقر والدخل والإنفاق في مصر في السنوات الـ10 الأخيرة. حيث توضح قاعدة بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء – المسئول عن إجراء قياس الفقر تأسيسا على بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك – أن آخر نتائج منشورة رسميًا لمعدلات الفقر تعود إلى 2019/ 2020. لكن هل الجهاز لم يجرِ تلك الأبحاث طيلة السنوات الستة التالية لآخر بحث؟
تشير تقارير البنك الدولي إلى أن نسبة من يعيشون تحت خط الفقر العالمي في مصر تصل إلى نحو 66% وفقاً لمقاييس القوة الشرائية الحديثة، اعتمادا على مستويات الدخل اليومية لعموم المصريين.
في عام 2015 أوضح بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك أن معدل الفقر كان 27.8% من السكان. ومتوسط صافي الدخل السنوي للأسرة 44.2 ألف جنيه. بينما في عام 2016 لم يصدر قياس جديد لمعدل الفقر، واعتمدت البيانات الرسمية الخاصة بالفقر على بحث 2015.
وفي عام 2017 أيضا لم يصدر معدل فقر مستقل خلال السنة، لكن بدأ جمع بيانات البحث الذي يغطي 2017 و2018 معا. وجاءت نتيجة البحث لتؤكد اؤتفاع نسبة الفقر عن العامين السابقين بمقدار 4.75، حيث سجل معدل الفقر 32.5% من نسبة السكان. ومتوسط صافي الدخل السنوي للأسرة 60.4 ألف جنيه. بينما أوضح البحث أن متوسط الإنفاق الكلي السنوي للأسرة 53.7 ألف جنيه. وتعد هذه النسبة هي أعلى نسبة فقر في آخر سلسلة رسمية منشورة قبل عام 2020.
في عامي 2019 و2020، أوضح بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء هبوط معدل الفقر عن السنوات القليلة السابقة لهذين العامين. حيث سجَّل 29.7%، أي أن نسبة الهبوط بلغت 2.8%، وذلك باحتساب متوسط الدخل السنوي للأسرة بقيمة 69.1 ألف جنيه. وكان متوسط الإنفاق الكلي السنوي للأسرة 61.9 ألف جنيه. بينما متوسط الاستهلاك الفعلي السنوي 62.6 ألف جنيه.
جاء عام 2021 بعينة تم تحديثها في أغسطس 2025. لكنها تمت على 12,463 أسرة. أي أنه لا يمكن التعامل معها كنتيجة نهائية تعمم على الشعب المصري. وأثبتت العينة أن متوسط إجمالي الإنفاق العائلي في ملف البيانات هو 72,395.8 جنيه.
منذ عام 2021 حتى يومنا هذا لم يصدر عن الجهاز في هذا الصدد سوى تقرير “الفقر متعدد الأبعاد” في عام 2022، وهو مؤشر مختلف عن معدل الفقر النقدي.
تُعدّ مصر صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في إفريقيا من حيث الناتج المحلي الإجمالي، وتحتل مرتبة متقدمة ضمن أكبر اقتصاديات العالم. بينما تحتل مصر المرتبة 18 عالميا والثانية عربيا ضمن قائمة أكبر الاقتصاديات في العالم لعام 2026. وذلك وفقا لتقديرات صندوق النقد الدولي.
إخفاء الحكومة معدلات الفقر في مصر
يؤكد مصدر لـ”القصة” أن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، المنوط به بحث الأرقام الخاصة بمعدلات الفقر والدخل والإنفاق في مصر، يؤدي عمله بصورة طبيعية كل عام.
ويقول المصدر، الذي فضَّل عدم نشر اسمه، إن البيانات والمعلومات الخاصة بمعدلات الفقرة في الفترة من 2021 إلى 2026 موجودة بالفعل لكنها “محجوبة”. مضيفا أن حجب الحكومة لتلك البيانات متعمد بسبب القفزة التي حدثت في معدلات الفقر في خلال السنوات الأخيرة.
ويوضح المصدر أن معدل الفقر الذي أعلنته الجهات الرسمية أواخر 2020 تضاعف في السنوات الأخيرة. ويتابع: “قبل 6 سنوات كان معدل الفقر في مصر 29.7%، وارتفع تدريجيا ولكن بقفزات خلال الثلاث سنوات التالية حتى بلغ 45%، ووصل في العام الجاري 2026 إلى 66%، وهو ما يؤكده البنك الدولي”.
ويختتم المصدر حديثه لـ”القصة” بأن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء لم يتقاعس عن عمله كما يتخيل البعض، وإن كان قد تقاعس كان يمكن للحكومة أن تحاسبه أو توجِّهه. لكنه أجرى أبحاثه وأعد بياناته لكنها ظلت حبيسة الأدراج.
حسابات الحكومة تختلف عن المواطنين
تقول الدكتورة حنان رمسيس، الخبير الاقتصادي، إن رؤية الحكومة تختلف عن رؤية الشعب والعديد من الاقتصاديين للأزمات الراهنة، المتعلقة بالفقر وغلاء المعيشة والأجور والاستهلاك.
وتضيف رمسيس لـ”القصة” أن الدولة تعتبر الحد الأدنى للأجور كافي للمواطن كي يعيش حياة كريمة. موضحة أن حسابات الدولة تعتمد على أن يكون الدخل قادرا على توفير احتياجات المواطن الأساسية والضرورية فقط.
وتشير إلى أن حسابات الدولة تختلف عن حسابات الاقتصاديين كثيرا. لافتة إلى أن الخبير الاقتصادي يرى حساب مصاريف المعيشة الثابتة والمتغيرة من غذاء وكساء وتعليم وصحة واستثمار وادخار وفقا لمعايير بعينها. ويتعامل مع كل أمر مما سبق بشكل تفصيلي. أما الدولة فتحسب الأساس فقط ولا علاقة لها بالفرع الذي يكون أساسيا بالنسبة للمواطن.
وتابعت: “على سبيل المثال إذا قلنا أن المصروفات الدراسية لطالب في صف ما 1000 جنيه الدولة ترى هذا المبلغ كل ما يحتاجه الطالب خلال السنة. لكن الحقيقة أن الطالب يحتاج مصروفات أخرى للعملية التعليمية، مثل الأدوات المدرسية والملابس والطعام والمواصلات وغيره، وهو عبء إضافي على المواطن لا تضعه الدولة في اعتبارها”.
وتؤكد رمسيس على أننا نعيش الآن اقتصاد الحرب رغم عدم خوضنا للحرب. موضحة أن المواطن يحاول أن يتأقلم على هذا الأمر، ويعيش طبقا للظروف الحالية.