أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

مقاهي وسط البلد.. الساحة والصناعة والإبداع

لم تكن مقاهي وسط البلد في القاهرة يومًا مجرد أماكن للجلوس أو استراحات عابرة لاحتساء القهوة، بل مثلّت على مدار القرن العشرين، فضاءات مركزية لصناعة الوعي الثقافي والسياسي والفني في مصر.

في شوارع مثل طلعت حرب وعماد الدين، وحول ميدان الأوبرا، تشكّلت حياة موازية داخل المقاهي، حياة لعبت دورًا لا يقل أهمية عن دور المؤسسات الرسمية، وعلى رأس هذه المقاهي برز مقهى ريش ومقهى زهرة البستان بوصفهما شاهدين حيّين على تحولات المجتمع المصري.

 

أخبار ذات صلة

السفير الفنزويلي
سفير كاراكاس بالقاهرة لـ "القصة": لا تصدقوا الرواية الأمريكية.. وفنزويلا تحكمها حكومة ثورية
تريزيجيه
الأهلي يسقط في فخ التعادل أمام البنك الأهلي ويبتعد عن صدارة الدوري
أحمد منتصر
إيران وأمريكا.. انعطافة دبلوماسية حذرة على حافة التصعيد

مقهى ريش: جدران من الذاكرة

تأسس مقهى ريش في قلب القاهرة الخديوية مطلع القرن العشرين، وتحديدًا عام 1908، على يد فرنسي يُدعى هنري ريش، ليصبح سريعًا واحدًا من أشهر مقاهي وسط البلد وأكثرها ارتباطًا بالحياة الثقافية والسياسية في مصر. بفضل موقعه القريب من ميدان طلعت حرب وشارع عماد الدين، تحوّل المقهى إلى ملتقى للنخب المثقفة، من أدباء وصحفيين وفنانين وسياسيين، ولعب دورًا بارزًا في تشكيل المجال العام خارج الأطر الرسمية.

لم يكن ريش مجرد مكان للجلوس، بل شاهدًا على لحظات تاريخية مهمة، من النقاشات الوطنية في زمن الاحتلال البريطاني، إلى اجتماعات وحوارات أسهمت في بلورة أفكار سياسية وثقافية كبرى.

وعلى مدار عقود، ارتبط اسم المقهى برواد كبار مثل نجيب محفوظ ويوسف إدريس وصلاح جاهين، ليغدو رمزًا لذاكرة القاهرة الحديثة، ومساحة نادرة امتزج فيها الإبداع بالفعل السياسي والنقاش الفكري المفتوح.

يوضح الكاتب والباحث في التدين الشعبي، الأستاذ عصام فوزي أن ريش لم يكن مجرد ملتقى ثقافي، بل شهد لحظات سياسية فارقة، من بينها واقعة إطلاق عريان يوسف الرصاص على يوسف وهبة باشا، ما جعل ريش حاضرًا في قلب الأحداث السياسية، لا على هامشها.

لكن الدور الأبرز لمقهى ريش، بحسب فوزي، خلال حديثه مع القصّة تمثّل في: “احتضانه للمثقفين والمبدعين من مختلف الأجيال والتيارات، إذ احتضنت كل مثقفي مصر بلا استثناء، وكان المقهى منصة مفتوحة يأتي إليها المبدعون من الأقاليم لتقديم أنفسهم وأعمالهم لرواده من كبار الكتّاب والمفكرين، وكانت الطاولات الصغيرة مسرحًا لنقاشات كبرى شكّلت مسارات أدبية وفنية كاملة”.

وبما أنّ النشر أو الاعتراف الأدبي لم يكن منفصلًا عن هذا الفضاء؛ كان من يرغب في تقديم عمل إبداعي، يجد في مقهى ريش بوابة غير رسمية للوصول إلى أسماء كبيرة قادرة على الدعم والتأثير. بهذا المعنى، تحوّل المقهى إلى مؤسسة ثقافية غير معلنة، تؤدي دورًا شبيهًا بدور المجتمع المدني الثقافي في دعم الإبداع وترويجه.

 

زهرة البستان.. ملاذ أكثر رحابة

ومع تغيّر الزمن، وإغلاق إدارة مقهى ريش دوائر مرتاديه على العملاء القدامى، برز مقهى زهرة البستان كمساحة بديلة وأكثر انفتاحًا. يقع المقهى بالقرب من ميدان طلعت حرب، وأصبح منذ التسعينيات مركزًا لتجمع جيل جديد من المثقفين والكتّاب والفنانين، خاصة الشباب. يشير عصام فوزي إلى أن زهرة البستان لعب دورًا مشابهًا لريش، لكنه تميّز بقدرته على استيعاب التحولات الاجتماعية والثقافية، وجذب طيف أوسع من الأصوات الجديدة.

في زهرة البستان، اختلطت الأجيال والتيارات، وامتد النقاش من الأدب والفن إلى السياسة والشأن العام، لتستعيد القهوة دورها التقليدي كمجال عام مفتوح. ومع تراجع عدد المقاهي التاريخية في وسط البلد، تحوّل البستان إلى ملاذ أخير لكثير من المثقفين، خاصة بعد إغلاق عشرات بل مئات المقاهي التي كانت تملأ شوارع مثل عماد الدين.

ولا يمكن الحديث عن مقاهي وسط البلد دون التوقف عند دورها في اللحظات السياسية المفصلية. يلفت فوزي إلى أن المقاهي لعبت دورًا مهمًا خلال ثورة يناير، حيث تحولت إلى نقاط تجمع واحتضان للشباب، ومساحات للنقاش والتنظيم وتبادل الأفكار. وكانت بعض المقاهي، مثل الندوة الثقافية، التي أُغلقت مؤخرًا، تمثل امتدادًا مباشرًا لهذا الدور التاريخي.

اليوم، وبينما يتراجع حضور المقاهي في المشهد العام بفعل تغيّر طبيعة المدينة، وتسارع الإيقاع، واجتياح التكنولوجيا لأنماط التواصل، تظل مقاهي وسط البلد شاهدًا على زمن كانت فيه الأفكار تولد على الطاولات الخشبية، وتنتقل من فنجان قهوة إلى كتاب أو حركة أو موقف سياسي.

يرى أستاذ التاريخ المعاصر، الدكتور إسلام عاصم، أن مقاهي وسط البلد “تحمل تاريخ فترة هامة في تراث مصر الثقافي”، مؤكدًا أن ما تتعرض له اليوم من تراجع أو اختفاء هو خسارة تتجاوز المباني إلى الذاكرة ذاتها.

وأشار خلال حديثه مع موقع “القصّة”، إلى أن الاهتمام بهذه المقاهي بالشكل المناسب يمكن أن يحوّلها إلى وسيلة فعالة لربط الأجيال الجديدة بتاريخ مصر الثقافي والفني والسياسي، مشددًا على أنّ هذا الربط بالغ الأهمية في ظل الفجوة المتزايدة بين الشباب وتاريخ المدينة.

وأضاف عاصم، أن هذه المقاهي لعبت تاريخيًا دور المائدة المستديرة اليومية، ودانت مساحات مفتوحة لتبادل الأفكار والنقاشات في جو من الحميمية، في زمن سبق هيمنة التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي. كانت القهوة آنذاك وسيلة تواصل أساسية، لا تقل تأثيرًا عن الصحف أو الندوات، وهو ما يفسر نجاح تجارب إعلامية مثل برنامج “حكاوي القهاوي”، الذي استلهم روحه من هذا التراث الشفهي الحي.

كما أنّ الحفاظ على مقاهي مثل ريش وزهرة البستان ليس مجرد حماية لمبانٍ قديمة، بل دفاع عن ذاكرة مدينة، وعن دور ثقافي لعبته القهوة يومًا في صناعة التاريخ المصري الحديث، إذ يبدو تراجع الدور الثقافي لمقاهي وسط البلد انعكاسًا مباشرًا لانحسار المجال العام ذاته، فاختفاء هذه المساحات أو تفريغها من مضمونها لا يعني فقدان أماكن قديمة فحسب، بل خسارة منصّات كانت تسمح بالحوار الحر وتبادل الأفكار وصناعة الوعي خارج الأطر الرسمية.

وبينما لا يمكن استعادة الزمن كما كان، فإن إعادة الاعتبار لمقاهي وسط البلد، بوصفها جزءًا من التراث الثقافي الحي، تمثل فرصة لإعادة وصل المدينة بذاكرتها، وفتح نوافذ جديدة أمام أجيال قادمة كي تكتشف أن الثقافة لا تُنتج فقط في المؤسسات، بل تولد أحيانًا على طاولة صغيرة.. وفنجان قهوة.

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

أسماء جمال صحبة الأطفال
من التاريخ إلى منصات التتويج.. رحلة أسماء جمال من الشغف إلى الاحتراف
فريق الأهلي
بن شرقي أساسي.. تشكيل الأهلي لمواجهة البنك الأهلي بالدوري المصري
الشاعر السماح عبد الله
مهازل الليالي الشعرية في معرض الكتاب
images - 2026-02-03T163553
تجديد حبس سيد مشاغب قائد وايت نايتس 45 يومًا على ذمة التحقيقات

أقرأ أيضًا

513eb0f4-e386-4fe2-918d-222bbba50312
فضيحة إبيستن.. كاريكاتير للفنان محمد عبد اللطيف
IMG_9178
بدون تدخل بشري.. أول موقع يعمل بالذكاء الاصطناعي بشكل كامل.. النتيجة صادمة!
معرض القاهرة الدولي للكتاب
محرر "القصة" في معرض الكتاب.. 3 مشاهد و3 ملاحظات
dav
قبل الوداع.. أدباء ومبدعون يقرأون مشهد الإقبال على معرض الكتاب.. ثقافة أم ترفيه؟| 2