في لغتنا العامية يُطلق لفظ «سَلِفَة» وجمعها «سَلايف» على زوجة شقيق الزوج. إنها علاقة مُربكة؛ فالعلاقة بينهن يجب أن تقوم على المحبة والود الذي تكنّه الزوجة لزوجها فينتقل إلى أهله، ولكن واقعيًا تدبّ الغيرة والمقارنات بين السلايف، وتصل أحيانًا إلى إنكار أي ميزة في السلفة، خاصة فيما يتعلق بالحقوق أو الميراث من الأهل.
من عالم الأسرة إلى عالم السياسة، يقع البعض في نفس الخطأ أو الخطيئة: حرب سلايف بين فريق ثورة يناير وفريق ثورة يونيو، وكأنه لا يمكن أن تشهد مصر ثورتين أو أكثر عظيمتين أو مكملتين. هناك فريق يرى أن 25 يناير عيد الشرطة وليس عيد ثورة يناير، وعلى غرار السلايف وصل قسم آخر إلى أنه «لا يوجد شيء اسمه ثورة يناير».
ومن باب الموضوعية، فإن بعضًا من هذا اللغو موروث من أجيال سابقة؛ فبعض غلاة الناصريين قللوا من قيمة ثورة 1919 بوصفها أول ثورة شعبية، والعكس صحيح، فأهل الوفد في بداية ثورة يوليو رفضوا منحها شرف الثورة واعتبروها انقلابًا عسكريًا، ووصل الأمر بهم إلى النظر إلى إعادة الاعتبار لثورة عرابي على أنه من باب النكاية بثورة 1919.
ولكن العلاقة أو المقاربة بين ثورات عرابي و1919 ويوليو تراجعت بفعل الزمن، وإنجازات ثورة يوليو من الإصلاح الزراعي إلى قرارات التأميم والتمصير، وعلى رأسها تأميم قناة السويس، مما أدى إلى خلع لقب الانقلاب عن ثورة يوليو.
الآن نعيش عصر نقد ثورة يناير 2011، ثاني ثورة شعبية في تاريخنا، وتشترك مع ثورة 1919 في أنها أعادت الشعب إلى المعادلة السياسية بعد أن تم إخراجه أو استبعاده بأشكال متعددة. وفيما المسؤولون عن إبعاد الشعب من المعادلة يتصرفون بثقة على أن الشعب «مات» «خليهم يتسلوا في يناير»، ونفي سعد زغلول وزملائه لمجرد تجرؤهم على طلب الاستقلال وتمثيل مصر، في الحالتين لم يدخل الحكام الشعب: أنا وأنت، وموظفي الحكومة والقطاع الخاص، والبقال، وطبيب الامتياز، والكوافير، كل فئات الشعب إلا قلة تزاوجت مع السلطة.
كلنا كنا مستبعدين قبل ثورة يناير، مثلما استُبعد أهلنا زمان في ثورة 1919.
وبينما تصور الحكام أن ثورة 1919 أصبحت درسًا تاريخيًا وضريحًا في شارع سعد زغلول، وبينما قاموا بهندسة البرلمان، والتوريث، والزواج الكاثوليكي بين السلطة والثروة، وبينما كانوا يحتفلون بانتصارهم الوهمي، فاجأهم الشعب مرة أخرى في واحدة من أفضل الثورات الشعبية: دون تحرش، دون سرقة، دون تخريب.
سبعة عشر يومًا من النقاء الثوري، يتقاسم المصريون اللقمة والمياه مع جيرانهم في ساحة ميدان التحرير والميادين الأخرى، ويحمي المصري المسيحي شقيقه المصري المسلم في صلاة الجمعة من ضربة أو اختراق.
الدعوة التي تولدت في البداية ضد التعذيب وتجاوزات وفساد بعض ضباط الشرطة، سرعان ما طورها الشعب بوعي سياسي وتاريخي ينفي عنه الجهل بالديمقراطية. فهم الشعب أن تجاوزات الشرطة عَرَضٌ وليس مرضًا، ومرض منظومة كاملة ونظام هان عليه الشعب وقرر أن يكون اللقاء الوحيد بينه وبين الشعب هو العصا والتعذيب، وأن الحل السياسي والاقتصادي والاجتماعي بالغ التكلفة عليه وعلى ثرواته بل وعمره أيضًا.
لذلك لم يجد النظام سوى الحل البوليسي.
فهم الشعب في الميادين أن الحل ليس محاكمة “كم” ضابط أو قيادة، أو حتى خلع أو محاكمة وزير الداخلية، ولكن الحل في محاكمة وخلع النظام الذي اعتمد على الحل البوليسي وتخويف المواطن.
الحل هو خلع نظام لم يوفر “متعمدًا” لضابط الشرطة أو العسكري تدريبًا وتعليمًا ورقابة تمنعه من التجاوز، مثلما لم يوفر لملايين الشباب تعليمًا يفتح أبواب المستقبل أمامهم، ولا علاجًا كريمًا لهم ولأسرهم.
من يكرهون ثورة يناير لا يدافعون عن الداخلية أو الشرطة، بل يدافعون عن إبعاد الشعب عن المعادلة.
يدافعون عن تمتعهم هم فقط بالمميزات والثروات، وهروبهم من رقابة شعبية حقيقية.
الذين يحاولون بخبث دفعنا للاختيار بين ثورة يناير أو الشرطة هم أول من يخطئون في حق الشرطة. فالمواطن المصري، أو أي مواطن، لا يكره الشرطة ولا يتمنى اختفاء النظام الشرطي، والشرطة والداخلية بكل قطاعاتها مؤسسة وطنية لها دورها.
ولذلك ليس علينا الاختيار بين ثورة يناير وعيد الشرطة؛ ليبقى عيد الشرطة احتفالًا واحتفاءً بكل شرطي وطني نزيه، وتبقى ثورة يناير في نفس اليوم احتفالًا واحتفاءً بشعب فرض نفسه على كل القيود وأفشل كل المؤامرات لإبعاده عن حقوقه وواجباته.
أما الردح على نظام السلايف فيعكس خوفًا كامنًا وكابوسًا يطارد أصحابه بوجود خطر مزدوج على مصالحهم:
شعب يحرك المعادلة السياسية لصالح كل فئاته، ويحقق أهم شعارات، أو بالأحرى أهداف الثورة: عيش، حرية، عدالة اجتماعية.