تحليل برلماني تكتبه منال لاشين:
اجتماع المستشار بدري بالهيئات البرلمانية بداية لحجب الخلافات داخل المكاتب المغلقة
ومدبولي يريد محاصرة الغضب البرلماني في مكتبه
في أقل من أسبوع، وجّه كلٌّ من رئيس مجلس النواب المستشار هشام بدوي، ورئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، الدعوة لرؤساء الكتل البرلمانية تباعًا للقاءات في الغرف المغلقة، أو بالأحرى بعيدًا عن قاعة مجلس النواب.
بدأ رئيس مجلس النواب الدعوة، التي شملت أقطاب البرلمان وأبرز النواب، وتم تفسيرها بأوجه كثيرة وتكهنات أكثر.
فبين تحليلات تربطها بالحرب والظروف الإقليمية، وتفسيرات أخرى تربط بين هذه اللقاءات وإجراءات حكومية أعنف فيما يتصل بأسعار الخدمات.
بين هذا وذاك، تدرجت التكهنات حتى وصلت إلى محطة الحديث عن الترتيب لتعديل الدستور.
وبعد كل ذلك، اكتشفنا – وفق ما ترشح من تسريبات – أن اللقاء كان بهدف تلطيف الأجواء، وبحث أسباب غضب بعض قيادات الأحزاب من المنصة، وانتهى بوعد بتكرار هذه اللقاءات المثمرة.
غير أن اللافت أن الاجتماع بين رئيس مجلس النواب ورؤساء الكتل البرلمانية امتد إلى العديد من القضايا التي يمكن مناقشتها تحت القبة، وخلال الجلسات العامة، سواء من خلال توجه النواب لتقديم مقترحات قوانين، أو الشكوى من تأخر الحكومة في الاستجابة والرد على طلبات الإحاطة التي قدمها النواب، بما في ذلك ضرورة مناقشة الاستجوابات، وهي الآلية الأشد لمواجهة الحكومة.
وحتى مناقشة نقل جلسات المجلس للمواطنين، أو بالأحرى إعادة بث الجلسات، كان يمكن طرحها أيضًا تحت القبة وخلال الجلسات العامة.
ولذلك بدا لي الأمر محاولة بالغة الذكاء من رئيس مجلس النواب؛ محاولة تتجاوز مجرد تهدئة الأجواء بين المنصة وقيادات المجلس إلى ما هو أخطر، فهذه اللقاءات تؤسس لمناقشة الملفات الساخنة أو الحساسة بعيدًا عن أعين وآذان الإعلام الذي يتابع الجلسات، وبعيدًا أيضًا عن كتاب التاريخ، ففيه يتم تسجل كل ما يحدث فى المضابط التى تظل شاهدا على ما حدث فى البرلمان.
ولا شك أن من حق رئيس مجلس النواب دعوة من يشاء من النواب للقائه، لكن دورية أو استمرارية هذه اللقاءات مع الكتل البرلمانية توحي بنقل مناقشة الملفات الساخنة من القاعة إلى الغرف المغلقة.
إن مناقشة الاختلافات في الرؤى داخل الجلسات العامة تُعد ضمانة دستورية لتمكين المواطن من متابعة أداء نوابه تحت القبة، وفرز المواقف بوضوح.
وسرعان ما تكرر المشهد، من رئيس البرلمان إلى رئيس مجلس الوزراء، ولكن هذه المرة الدعوة تجاوزا للدستور.
فعندما يطالب النواب بحضور رئيس الحكومة إلى المجلس، سواء للاستماع إليه أو لمراقبته أو لمساءلته عن بعض قراراته، لا يجوز أن يرد رئيس الحكومة بدعوة رؤساء الكتل البرلمانية إلى مكتبه، فالبرلمان والحكومة لا يتبادلان الزيارات، ورئيس الحكومة ملزم بالذهاب للبرلمان متي طلب منه ذلك.
ولكن الدكتور مدبولي يريد أن يجرى لقاءًا مع النواب في الغرف المغلقة، بعيدًا عن الآليات البرلمانية. وشتان بين مدبولى والنواب، تحت قبة مجلسهم وبضوابط الدستور وبين عزومة ودية من الدكتور مدبولى وقيادات البرلمان فى مكتبه.
ومن هنا، أُثمن موقف الأحزاب التي رفضت هذه الدعوة، وتمسكت بحقها الدستوري.
لقد علمتنا السوابق السياسية أن أسوأ الاجتماعات هي تلك المغلقة والسرية، البعيدة عن أعين ورقابة الإعلام، إذ جرت العادة أن يخرج كل طرف منها بتسريبات أو تصريحات انتقائية تخدم مصالحه.
ولا أجد مبررًا لدعوة مدبولى النواب لزيارته، بدلًا من تلبية بذهابه إلى مجلس النواب، فالشفافية والعلنية تظلان الضمانة الحقيقية لأي نقاش أو تفسيرات أو طلبات لرئيس مجلس الوزراء من النواب.
ومن ناحية أخرى، فإن تلبية قيادات البرلمان لدعوة مدبولى، قبل تلبيته هو لطلب حضور البرلمان، تمثل سابقة تمس مكانة مجلس النواب.
وإذا كانت دعوة رئيس مجلس النواب المستشار هشام بدوى لرؤساء الكتل البرلمانية للقاءات خارج القاعة مقبولة قانونيًا ودستوريًا، لأنها فى إطار أعمال التشاور السياسي، ومفاوضات بعيدًا عن القاعة والأعين.
فأن دعوة الدكتور مدبولى لا يمكن النظر لها نفس النظرة أو اعتبارها في إطار مفاوضات.
فحين يُطلب من رئيس الحكومة الحضور إلى البرلمان، لا ينبغي أن يتحول هذا الطلب إلى دعوة منه لقيادات النواب لمكتبه.
وأتمنى أن يوقف رئيس مجلس النواب هذا النوع من الزيارات، بما في ذلك زيارات بعض اللجان البرلمانية للوزراء في مكاتبهم.
أعتقد أننا أمام محاولة حكومية لاستغلال مناخ وأجواء الحرب لتمرير تقاليد بعيدة عن السوابق السياسية الراسخة في العلاقة بين البرلمان والحكومة، خاصة بعد تمرير زيادات في أسعار المواد البترولية وتذاكر المترو تحت مسمى ظروف الحرب.