في زمن باتت فيه السرعة تحكم كل شيء، ويكاد التراث يتحول إلى صورة عابرة على شاشات الهواتف، اختار إبراهيم شعبان أن يسير في الاتجاه المعاكس؛ أن يتباطأ، أن يعود خطوة إلى الوراء، وأن يمد يده إلى ذاكرة الريف المصري، لا ليحكي عنها بالكلمات، بل ليطبخها، ويصورها، ويقدمها للعالم كما هي: صادقة، بسيطة، ومشبعة بالحنين.
إبراهيم شعبان، 32 عامًا، من قرية تفهنا العزب بمركز زفتى في محافظة الغربية، ليس مجرد صانع محتوى أو شيف يظهر أمام الكاميرا، بل حالة إنسانية خاصة، تشكلت ملامحها بين الأرض الخضراء، ورائحة الحطب، وصوت الساقية، وموائدٍ لم تكن تعرف التكلف، لكنها كانت تعرف الدفء.
رحلة بدأت من رغبة العائلة.. وانتهت إلى شغف القلب
لم تكن بداية إبراهيم مع المطبخ مباشرة، فقد التحق أولا بكلية الحاسبات والمعلومات استجابة لرغبة أسرته، و احتراما لاختياراتهم، أكمل دراسته و تخرج، لكنه كان يدرك في داخله أن الطريق الحقيقي لم يبدأ بعد، قائلاً خلال حديثه إلى موقع “القصة”: “دي ما كانتش رغبتي، لكني كملت علشان أهلي”، يقولها ببساطة، قبل أن يقرر بعدها الانتقال إلى المجال الذي طالما أحبه: السياحة والفنادق.
لكن الحكاية أقدم من أي شهادة جامعية، فمنذ طفولته، كان واضحًا أن للأكل مكانة خاصة في حياته، شغف مبكر جعله يقف في المطبخ صغيرًا، ويصنع أطباقا كانت والدته تفضلها من يده، ويلاحظ من حوله أن هذا الطفل لديه علاقة مختلفة بالطعام، علاقة تشبه الموهبة الفطرية.
من غسيل الأطباق إلى لقب “شيف”
لم يبدأ إبراهيم من القمة، بل من القاع، عمل في مطاعم وفنادق عديدة، وغسل الأطباق، وتعلم المهنة خطوة خطوة، من أصعب المراحل وأبسطها، حتى وصل مع الوقت إلى مكانة جيدة كشيف محترف.
لكن رغم كل ما تعلمه في المطابخ الحديثة، ظل هناك شيء ينقصه، إحساس لا تمنحه المطاعم الفاخرة ولا المناهج الدراسية.
حين انتصر الريف على المطاعم
يقول إبراهيم، إن الأكل الذي تربى عليه في الريف، بالطريقة المصرية الأصيلة، كان دائمًا أعمق طعما، وأصدق روحا، من أي وصفة تعلمها في المطاعم.
في أرضه، وسط أهله، كان يطبخ كما اعتاد، ويجلس الجميع حول الطعام، يضحكون و يتشاركون اللحظة ومن هنا، ولدت الفكرة، “حسيت إن اللي أنا عايشه جميل، والأكل في الريف ليه طعم تاني.. لازم أوصل ده للناس”، هكذا تحولت اللحظات العائلية البسيطة إلى محتوى بصري، ليس هدفه الترفيه فقط، بل نقل أسلوب حياة كامل.
التصوير بالإحساس.. لا بالكاميرا فقط
لم يكن التصوير عند إبراهيم مجرد أداة، بل لغة درس التصوير، وعمل مع محترفين، لكنه اكتشف أن العين المحبة ترى ما لا تراه العدسات وحدها.
قد يرى جمالا في جذع شجرة، أو ساقية مهجورة، أو قارب مكسور، أو ورقة شجر، ويحول هذه التفاصيل المهملة إلى مشاهد آسرة، موضحًا: “اللي بيطلع من الحب بيبقى أحلى من اللي بيطلع من الدراسة بس”.
رسالة تتجاوز الحدود
لم تكن رسالة إبراهيم موجهة للمصريين فقط، بل للعالم، أراد أن يقول إن الريف المصري ليس فقرا ولا تخلفا، بل جمال وبساطة وسعادة حقيقية افتقدها كثيرون، وأن التنوع الهائل في المطبخ المصري، وصفاته القديمة، يمكن أن يكون كنزا سياحيا وثقافيا، لو قُدم كما هو، دون تشويه أو تزييف.
وبالفعل، بدأ المتابعون من خارج مصر يعبرون عن رغبتهم في زيارة القرية، وتجربة الحياة الريفية بأنفسهم.
رفض الخارج.. واختيار الجذور
رغم العروض الكثيرة التي تلقاها من دول عربية، خاصة الخليج، لتكرار التجربة هناك، رفض إبراهيم جميعها، والسبب كان واضحا: “الريف اللي عندنا ما بيتصنعش”.
اختار البقاء في قريته، مؤمنًا بأن الرسالة لا تؤدى إلا من مكانها الحقيقي، وأن الحفاظ على الهوية أهم من أي انتشار أو مكسب مادي.
طموح بلا سقف
لا يرى إبراهيم لنفسه نهاية محددة خطته مفتوحة، وطموحه أكبر من مجرد فيديوهات، يحلم بإنشاء أكبر مشروع سياحي ريفي، يفتح أبوابه للناس من كل مكان، ليشاهدوا جمال الريف المصري، و يعيشوا التجربة كاملة، كما عاشها هو، وكما عاشها أجداده.
في تجربة إبراهيم شعبان، لا يصبح الطعام مجرد طبق، ولا التصوير مجرد صورة، بل يتحول كل ذلك إلى مقاومة ناعمة للنسيان، وإلى محاولة صادقة لإنقاذ الذاكرة المصرية من التلاشي، وإعادة تقديمها للأجيال الجديدة.. بحب.