هي ليست مجرد نجمة على شاشة، ولا مجرد اسم في تاريخ الفن المصري، بل حالة استثنائية يُروي عنها في كل حدث كبير.
شريهان هي تلك السيدة التي كلما ظن الجميع أنها انتهت، تعود أقوى، أجمل، وأصدق، هي التي جسدت عبر مشوارها الطويل معنى الفن الحقيقي، ومعنى الانتماء، ومعنى أن تظل “مصرية” حتى النخاع، مهما تغيرت الأزمان.
طفلة ولدت للفن
ولدت شريهان في بيت عرف الفن عن قرب، ودخلت عالم الأضواء وهي طفلة صغيرة، لكن ما ميّزها منذ اللحظة الأولى أنها لم تكن كأي طفلة موهوبة، بل كانت مشروع فنانة عظيمة.
درست الباليه، وأتقنت الاستعراض، وتمتعت بذكاء فني نادر جعلها تعرف كيف تختار وكيف تفرض نفسها في زمن مليء بالنجوم.
في الثمانينيات، أصبحت رمزًا من رموز الفوازير، تلك الفنون التي لا يجيدها إلا من يجمع بين الرشاقة والتمثيل والابتسامة الحاضرة دائمًا.
كانت شريهان تدخل كل بيت في رمضان بابتسامتها وأناقتها، فتتحول دقائق الشاشة إلى حالة من البهجة الخالصة.
خلف الكاميرا كانت هناك حكاية أخرى؛ حكاية امرأة واجهت الحياة بصلابة مذهلة.
في أوج مجدها، تعرضت لحادث سيارة مروّع هزّ الوسط الفني وأصاب عمودها الفقري، وقيل وقتها إنها قد لا تعود للمشي مرة أخرى.
لكنها قاومت، كعادتها، لتُثبت أن الإرادة أقوى من الألم. عادت بعد سنوات لتقول بلسان حالها: “أنا ما استسلمتش”.
ثم أصابها المرض، وغابت عن الجمهور، لكن حتى في الغياب، لم تفقد حب الناس ولا بريقها. ظل اسمها وحده كافيًا ليوقظ الحنين إلى زمن الفن الجميل.
شريهان في الميدان
ثم جاءت ثورة 25 يناير 2011، لتكشف وجهًا آخر لشريهان الوجه الوطني الصادق. حين قرر البعض الصمت، كانت هي في ميدان التحرير، وسط الشباب، بلا حراسة ولا مظاهر نجومية.
وقفت تهتف، تغني للوطن، تبكي مع الناس، كأنها واحدة منهم. لم تكن تبحث عن عدسة تُصورها، بل كانت تبحث عن مصر التي تؤمن بها.
مشهدها وهي تقف بين الجموع سيبقى من أكثر اللقطات صدقًا في ذاكرة الثورة؛ لأن من كانت تُبهج المصريين على الشاشات، جاءت لتشاركهم الألم والحلم على أرض الواقع.
مرت السنوات، وعاشت شريهان بعدها فترة صمت وتأمل، لكنها ظلت حاضرة في وجدان الجمهور.
وعندما عادت بإعلان “عودي يا شريهان” الذي أنتجته إحدى شركات الاتصالات عام 2021، شعر المصريون جميعًا وكأن نجمتهم المحبوبة ولدت من جديد.
كانت العودة مختلفة، ناضجة، راقية، مليئة بالتجربة والروح، وأكدت أن الفنان الحقيقي لا يُهزم بالغياب.
من الميدان إلى المتحف
واليوم، وبعد كل تلك المحطات، تقف شريهان في لحظة من أجمل لحظات حياتها، على مسرح المتحف المصري الكبير، لتُقدّم للعالم حدثًا ينتظره الجميع — افتتاح أعظم متحف أثري في التاريخ.
اختيارها لتقديم الحفل لم يكن صدفة، بل رسالة واضحة أن مصر حين تحتفل بحضارتها، تختار رمزًا من رموزها الحديثة، امرأة تشبهها في الكبرياء والخلود والتجدد.
شريهان.. وجه مصر الذي لا يشيخ
من “الميدان” إلى “المتحف”، بين الثورة والحضارة، سارت شريهان على خط واحد وهو خط الإخلاص لمصر.
هي نفسها التي رفعت صوتها من أجل الحرية، تُرفع اليوم صورتها في احتفال يقدّم للعالم وجه مصر المضيء.
وكأن التاريخ يقول: من تهتف للوطن في الميدان، تستحق أن تحتفي به أمام العالم.
شريهان ليست مجرد فنانة عادت لتُقدّم حفلًا، بل رمز من رموز القوة والجمال المصري، وتجسيد حيّ لفكرة أن مصر تُنجب دائمًا أبناءها من الضوء.
من الثورة للمتحف.. لأنها شريهان. رمزٌ لا يُعاد ولا يُنسى، وامرأة وُلدت لتبقى.