قبل أيام عدة، عاد باحث مصري من غربته، لأرض الوطن قادمًا من من بلجيكا، حيث يعمل بإحدى الجامعات البلجيكية في زيارة سريعة؛ لاستكمال بحث يعمل عليه، لكنه فوجئ بعد وصوله مصر برفض دخول هاتفه الشخصي “هاتف آبل” إلى مصر إلا بعد دفع ضريبة وصلت إلى 30 ألف جنيه، وفقا لإحدى المقربين له، وهنا قرر ترك هاتفه ليتمكن من الدخول.
الواقعة ضمن الكثير من الوقائع الأخرى التى حدثت للمصريين القادمين من الخارج خلال الأيام الماضية، بعد صدور قرار رسمي بإنهاء تطبيق الإعفاء الجمركي للهواتف الواردة من الخارج وفرض رسوم قد تصل إلى 75% من قيمة الجهاز ما أثار موجة واسعة من الغضب خاصة لدى المصريين المقيمين بالخارج.
وهنايطرح ” القصة” سؤلاً كيف للدولة أن تحاسبهم على هاتف شخصي أو هدية لأحد أفراد الأسرة، وهم يعتبرون من أهم مصادر الدولار للاقتصاد المصري بتحويلات تقدر بما يقرب من الـ 37 مليار دولا.
من جانبها بررت الحكومة هذه الخطوة باعتبارها إجراء احترازيا لمكافحة التهريب ودعم الصناعة المحلية.
لصالح من يصدر القرار؟
ووفقا لبعض المصادر التي تابعت الملف عن قرب، يُرجح أن هذا القرار لا يهدف إلى تحصيل الرسوم أو مواجهة التهريب لكنه يخدم مصالح بعض الأطراف في سوق المحمول المحلي، والمستفيدون الرئيسيون من تقليص الفارق السعري بين الهواتف القادمة من الخارج دون رسوم ، وتلك التى تدخل إلى مصر بشكل رسمي.
كما تشير المصادر إلى أن الآلية الجديدة قد تجعل أمام المستهلك خيارات أقل، مما يجعله يتجه إلى الشراء من السوق المحلي بأسعار أعلى من سعر الشركات المصنعة في الخارج ،وذلك يعزز من نفوذ عدد محدود من الشركات المسيطرة على التوزيع والإنتاج.
غياب دعم الصناعة المحلية
وكان من الممكن أن يتم دعم الصناعة المحلية والسيطرة على محاولات التهريب بطرق أقل عبئا على المواطن مثل تخفيف الضرائب على المنتج المحلي أو تقديم حل حقيقي للتصنيع بدلا من تحميل المصريين في الداخل والخارج تكلفة مضاعفة على منتج أصبح جزءا أساسيا من الحياة اليومية.
بدوره قال إيهاب سعيد رئيس شعبة الاتصالات والمدفوعات الرقمية بالاتحاد العام للغرف التجارية، إن هذا القرار جاء لحماية السوق المحلي وتنظيمه وحماية حقوق المصنعين، كما أن الأجهزة القادمة من الخارج لا بد أن تسجل للاستخدام داخل مصر.
وأضاف لـ” القصة”: “هذا الإجراء اتخذه الجهاز القومي لتنظيم الإتصالات لتنظيم السوق وحماية الصناعة ووفقا لرؤية الدولة التي ترى أنه لم يعد هناك داع للشراء من الخارج ما دامت الصناعة الداخلية أصبحت متاحة الآن”.
وأكد أن الدولة لا تهدف كسب المزيد من الأموال وإنما ترسم خططا سياسية تنظيمية فقط، وأن هذا القرار لن يؤدي إلى أي تباطؤ في نمو سوق المدفوعات الرقمية أو التطبيقات الزكية فالجميع لديه هواتف ولا يوجد أدنى مشكله لديهم.
واختتم أن زيادة الإنتاج ستؤدي مع الوقت إلى خفض الأسعار وقد تؤدي إلى تغطية السوق المحلي وقد تتجه إلى التصدير أيضا كخطوة مستقبلية.
غياب صناعة الهواتف الذكية في مصر
وبالرغم من تأكيد رئيس شعبة الاتصالات والمدفوعات الرقمية بالاتحاد العام للغرف التجارية على أن هذا القرار جاء لحماية الصناعة المحلية، إلا أن الواقع يشير إلى أن مصر ليس لديها صناعة حقيقية للهواتف الذكية تحديدا أجهزة السامسونج والآبل إنما دورها يقتصر على تجميع تلك الهواتف، بينما تأتي المكونات الأساسية من الخارج، فالأيفون لا يتم تصنيعه محليا من الأساس، وهو ما يفتح تساؤلات حول جدوى تحميل المواطن أعباء إضافية، وفرض رسوم مرتفعة، باسم دعم صناعة لم تكتمل بعد، ولا توفر بدائل حقيقية تلبي احتياجات السوق من حيث التنوع أو السعر أو الجودة.
لا يصب في مصلحة الاقتصاد
فيما رأى الخبير الاقتصادي دكتور وائل النحاس أن قرار فرض رسوم على الهواتف القادمة من الخارج لا يصب في مصلحة الاقتصاد الحقيقي للدولة، ووفقا لتعبيره فإن الدولة في هذه الحالة تعاقب المواطن بدلا من تحسين مستوى معيشته أو تحقق له معدل نمو حقيقي.
وأوضح النحاس لـ ” القصة”: أن المنتج المحلي يباع حاليًا بسعر أعلى من السعر العالمي مما يترك المواطن أمام عبء حقيقي يتحمل فيه هذه الفجوة السعرية لصالح المستثمر خاصة مع ارتفاع تكلفة الإنتاج بسبب تقلب سعر الدولار وزيادة أسعار الوقود والكهرباء، وهي أعباء يتحملها المستثمر ثم ينقلها مباشرة إلى المستهلك.
وأضاف” النحاس”: “أن هذا الإجراء لا يمكن اعتباره دعما للصناعة المحلية إنما هو دعم مباشر للمستثمر على حساب المواطن”، مشيرُا إلى أن مصر لا تملك صناعة محلية من الأساس إنما تجميع دون امتلاك أي براءات اختراع أو قيمة مضافة للمنتج، فضلا عن أن جودة المنتج المحلي أقل من المستورد رغم فارق السعر الذي قد يصل إلى الضعف في بعض الإصدارات.
سياسة زيادة الإيراد وليس الإنتاج
واعتبر “النحاس” أن تحصيل الرسوم المرتفعة هو إجراء لزيادة الإيرادات فقط وليس سياسة إنتاجية، متسائلا عن الأساس الذي تفرض عليه هذه النسب، وهل الهدف منه حماية أصحاب التوكيلات على حساب جيوب المواطنين.
وحذر من أن استمرار الوضع الحالي قد يسبب ركودا في السوق، حيث إن المواطن هو المحرك الأساسي للطلب ومع غياب تدخل الدولة لضبط هامش الربح قد يتحول السوق إلى بيئة احتكارية.
واختتم، أن “سوق الهواتف في مصر، لا يشهد منافسة حقيقية، مشددا على أن المنتج الذي يجمع محليا لا بد أن يكون أرخص من المستورد وليس العكس، و عملية ترك السوق دون رقابة يصب في النهاية في مصلحة المحتكرين، فيما يدفع المواطن الثمن وتأتي المحصلة خسارة لجميع الأطراف”.