في عام 2004، كنت تلميذًا في المرحلة الابتدائية، حين اصطحبونا من الفصل إلى حجرة الحاسب الآلي. بالنسبة لنا، بدت تلك الحصة أقرب إلى الترفيه، وربما كانت المرة الأولى التي تطأ فيها قدماي تلك الحجرة.
ما زلت أستعيد تفاصيل المكان بدقة: تقع في الدور الثاني، وبابها الحديدي الأسود يختلف تمامًا عن أبواب الفصول الخشبية الرمادية. كنا نفسر وجود هذا الباب بأنه لحماية أجهزة الحاسوب، التي لم يكن عددها يتجاوز أصابع اليد الواحدة.
لم نعرف سبب دخولنا الحجرة، المجاورة للمكتبة المدرسية بخطوات قليلة. قيل لنا: «اجلسوا»، ثم أُطفئت الأنوار، وشُغلت الشاشات. سمعنا أصواتًا جميلة لم نكن نعرف أصحابها؛ فلا إنترنت، ولا بحث، ولا أسماء، فقط صورة وصوت وأغنية اسمها «الحلم العربي». ومعها شاهدت للمرة الأولى مشهد الطفل محمد الدرة، وهو يحتمي مع أبيه بحاجز عبارة عن برميل في ضرب نار عشوائي، ولم يتوقف القصف مع إشارة الأب لمطلقي النار، حتى أصيب الأب وسقط الابن محمد الدرة شهيدًا، في لقطة تجاوزت قدرة طفل على الفهم والاستيعاب معًا.
ذلك المشهد، القاسي والإنساني في آنٍ واحد، لم يغادر ذاكرتي حتى اليوم. لم أفهم وقتها جذور الصراع العربي الإسرائيلي، ولا من هم الإسرائيليون، ولا كيف جاءوا، ولا أصولهم وأهدافهم، ولا أين تقع الحرب جغرافيًا من بلادي، لكنني فهمت شيئًا واحدًا فقط: أن هناك ظلمًا يُمارَس أمام أعين العالم.
بكيت يومها بكاءً لم أعرفه من قبل. دموع سالت دون استئذان، وحزن ثقيل استقر في قلب طفل لم يكن يعرف من فلسطين سوى اسمها. لم أنظر حولي لأتأكد إن كان زملائي يبكون أم لا، لكن الصمت كان أبلغ من أي سؤال. الجميع كان مشدودًا إلى الشاشة، وكأننا، رغم صغر سننا، ندرك أننا أمام لحظة تتجاوز حدود الحصة والفصل، وتمتد إلى ما هو أبعد من المدرسة والعمر.
مرت السنوات، لكن المشهد لم يمر. نسيت اليوم والتاريخ في الشهر، وربما خانتني الذاكرة في التفاصيل أيضًا، لكنني لم أنسَ محمد الدرة، ولم أنسَ القضية الفلسطينية. كلما قُدّم لي طعام، تذكرت أطفالًا يُحاصرهم الجوع تحت القصف، فكنت أعتذر لأمي قائلًا: «شبعت». وحتى اليوم، لم تعرف السبب الحقيقي لذلك؛ فهي بعيدة عن ضجيج مواقع التواصل الاجتماعي، ولا تصلها الأخبار إلا مجتزأة، إن وصلت.
ومع مرور الوقت، تحوّل ذلك التأثر الطفولي إلى موقف أخلاقي وسياسي واعٍ. وأقولها وأرددها دائمًا: القضية في الشعوب العربية هي قضية وعي، وأكررها: الوعي، ثم الوعي، ثم الوعي. وهذه رسالة لكل الأجهزة والوزارات المعنية في المشرق العربي. بعد حرب غزة الأخيرة، أصبح موقفي ثابتًا، مثل كثيرين، وهو: مقاطعة المنتجات الأمريكية والإسرائيلية، والبحث الجاد عمّا يمكن استبعاده من حياتي اليومية. قد يراه البعض موقفًا رمزيًا، لكنه بالنسبة لي واجب أخلاقي تجاه شعب يُحاصر، ويُقتل، ويُهجّر لأنه يطالب بحقه في أرضه وكرامته.
بالنسبة لي، انتصار غزة ليس شأنًا فلسطينيًا خالصًا، بل هو انتصار عربي جامع، وهزيمتها هزيمة تتقاسمها الأمة كلها. فالحدود لا تنفصل عن المصير المشترك، وما يحدث في غزة هو مرآة لواقع عربي ممزق.
ولو لم يكن ضعف الموقف العربي حاضرًا، لما استمر هذا النزيف. لكن الانقسام، وغياب الإرادة السياسية، وانكفاء كل دولة على اقتصادها، ومتاجرة بعض الحكام بالقضية الفلسطينية، جعل من القضية ملفًا مؤجلًا، وجعل من غزة بحرًا من الدم لا يتوقف نزيفه. عائلات تُمحى، وبيوت تُسوّى بالأرض، وأطفال يُشيَّعون يوميًا، بينما يكتفي العالم بالمشاهدة.
وهنا يفرض السؤال نفسه، لا ليُجاب عليه علنًا، بل ليُواجَه في الضمير: ماذا سنقول لأبنائنا وأحفادنا بعد خمسين عامًا، حين يسألوننا عن موقفنا من الإبادة الجماعية في غزة؟ هل سنقول: كنا نتابع الأخبار ونمضي، منشغلين بالأكل والشرب؟ وهل سنشرح لهم عن أيامنا هذه وعن خيبتنا الثقيلة؟
أنا، مثل كثير من شعوب العالم الأحرار، لم أنسَ محمد الدرة، ولن أنسَ غزة وأهلها… فغزة لن تُنسى أبدًا.
وكما يقول الأخ الفلسطيني الذي لم أعرف اسمه، وأعجبتني بلاغته في كلمات أهداها للزميل يوسف فارس:
«السلام عليك يا يوسف حتى يفنى السلام».
ودعني أقتبس من بلاغته لأهل غزة الذين يستحقون كل احترام لصمودهم وأقول:
«السلام على غزة وأهلها… حتى يفنى السلام».
وللحديث بقية.