أثارت التهديدات الأخيرة التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه كلٍّ من نيجيريا وفنزويلا، موجةً جديدة من الجدل السياسي والاقتصادي، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتعدُّد محاور الصراع في العالم.
تهديدات ترامب ضد نيجيريا
تعدَّدت التساؤلات بعد اتخاذ إجراءات قوية ضد نيجيريا إذا استمرت الحكومة النيجيرية في السماح بقتل المسيحيين حسب قوله، قائلًا: إن واشنطن ستوقف فورًا جميع أشكال المساعدات، كما أصدر توجيهاته لـ“وزارة الحرب” بالاستعداد لتحرّك محتمل.
كما تأتي التهديدات في ظل حديث متجدد عن مشروعات أنابيب الغاز والنفط الممتدة من نيجيريا إلى شمال إفريقيا، وهي مشروعات يُعتقد أنها قد تغيّر خريطة الطاقة في القارة وتقلل من اعتماد أوروبا على الغاز الروسي، وهو ما يجعل الولايات المتحدة تسعى إلى ضمان دور رقابي أو نفوذ استراتيجي في هذه الملفات.
خلفية التهديدات الأمريكية لفنزويلا
أما تهديدات ترامب المتكررة ضد فنزويلا، فهي امتداد لملف قديم من العداء السياسي والاقتصادي بين واشنطن و“كاراكاس”، تفاقم منذ عهد الرئيس الراحل “هوغو تشافيز”، واستمر في عهد خلفه “نيكولاس مادورو”.
وتتّهم الولايات المتحدة النظام الفنزويلي بتهريب المخدرات ودعم شبكات غير مشروعة في أمريكا اللاتينية، بينما تعتبر “كاراكاس” هذه الاتهامات غطاءً للتدخل في شؤونها الداخلية ومحاولة للسيطرة على ثرواتها النفطية الضخمة.
وتصاعد التوتر مؤخرًا بعد حادثة إغراق سفينة يُعتقد أنها كانت تحمل شحنات مخدرات بالقرب من المياه الفنزويلية بواسطة قوات أمريكية، وهو ما اعتبرته إدارة مادورو انتهاكًا لسيادتها البحرية، في حين وصفت واشنطن العملية بأنها جزء من حربها على تجارة المخدرات في المنطقة.
ما يحدث في نيجيريا.. صراع قبلي أم اضطهاد ديني؟
قال السفير “جمال بيومي”، مساعد وزير الخارجية الأسبق، في تصريحات خاصة لـ“القصة”: نظرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن نيجيريا وفنزويلا تعكس نقص الخبرة السياسية وميلًا واضحًا إلى الاستعداء غير المبرَّر للدول والشعوب.
وأوضح بيومي أن ما تشهده نيجيريا من اضطرابات «ليس صراعًا دينيًا» بين المسلمين والمسيحيين، بل هو في جوهره «صراع قبلي» بين مكونات المجتمع النيجيري المختلفة، مشيرًا إلى أن القبائل الكبرى مثل “الهوسا والبافيا” وغيرها، تتنازع على النفوذ والسلطة؛ وهو ما يذكّر بما حدث في السودان، الذي عانى أيضًا من الانقسامات القبلية والعائلية.
وأكَّدَ أن هذه النزاعات لا علاقة لها بالإسلام أو المسيحية، فنيجيريا ليست دولة دينية، وإنما هي دولة تعاني من انقسامات قبلية متجذرة، والصراع هناك يدور بين القبائل والأسر حول من يتولى الحكم.
السفير جمال بيومي: حكومة فنزويلا بريئة من تصرفات الخارجين عن القانون
وفيما يتعلق بفنزويلا، قال بيومي: اتهامات ترامب للحكومة الفنزويلية بتهريب المخدرات غير منطقية، متسائلًا: هل يعني وجود سفن تهرِّب الحشيش أن الحكومة مسؤولة عنها؟ مشددًا على أن مُهَرِّبي المُخدرات لا يتبعون الدولة، ولا يجوز تحميلها مسؤولية تصرفات الخارجين عن القانون.
وأردف قائلًا: ترامب اعتاد على افتعال الأزمات مع الآخرين، مذكّرًا بأنه “منذ أول مائة يوم في ولايته دخل في خلافات مع الاتحاد الأوروبي، وفرضَ رسومًا جمركية على الصين وأوروبا دون إدراك لتداعيات مبدأ المعاملة بالمثل، ثم عاد وتراجع بعدما أدرك حجم الضرر الذي سيلحق بالولايات المتحدة”.
ووصف بيومي سلوك ترامب بأنه “سلوك رجل غير مسؤول” يسعى إلى استعراض القوة دون رؤية سياسية واضحة، مؤكدًا أنَّ حقول النفط في نيجيريا ليست بتلك الأهمية الاستراتيجية، وأن ما يفعله ترامب مجرد أغانٍ حربية واستعراض نفوذ.
بيومي: العراق كان مسألة مختلفة، ولا يتشابه مع التطورات الأخيرة في نيجيريا وفنزويلا
وعن المقارنة بين ما يحدث في نيجيريا وفنزويلا وبين الغزو الأمريكي للعراق، رفضَ بيومي هذا الربط، قائلًا: العراق كان حالة مختلفة تمامًا، فقد كان مطمعًا اقتصاديًّا واستراتيجيًّا، واستند الغزو إلى أكاذيب حول وجود برنامج نووي.
وأضاف: المدير العام السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية «محمد البرادعي» نفَى وجود أي برنامج نووي عراقي، لكن الرئيس الأمريكي الأسبق “جورج بوش” ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق “توني بلير” شهِدا زُورًا لتبرير الحرب.
وأردف: الولايات المتحدة تعتبِر تكلفةَ غزو العراق دَينًا على العراق نفسه، وهو أمر عبثي، مشيرًا إلى أن أحد المفكرين العراقيين أصدر كتابًا بعنوان «ديون العراق الظالمة» لتوثيق هذه المفارقة.
فنزويلا ونيجيريا قضيتان منفصلتان
وأضاف أنّ ما حدث في فنزويلا لا علاقة له بما يجري في نيجيريا؛ فالقضيتان مختلفتان تمامًا، فالولايات المتحدة أعلنت أن تدخلها جاء لمكافحة تهريب المخدرات بعد استهداف قارب كان يحمل شُحنات غير قانونية، ولا أرى مبررًا لغضب الحكومة الفنزويلية من ذلك.
وفي ختام حديثه، قلَّل السفير جمال بيومي من جديّة تهديدات ترامب العسكرية، قائلًا إن «الاستعمار المباشر انتهى عهده لأنه مُكلِّف وغير مُجدٍ»، موضحًا أنَّ الاستعمار الاقتصادي هو السائد حاليًا، إذ تُستنزَف ثروات إفريقيا من الدول المتقدمة التي تحتكر منتجاتها دون الحاجة إلى احتلال أراضيها.
عبد النبي عبد المطلب: حقول النفط الإفريقية لا تعطِّل مصالح أمريكا
قال الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي، في تصريحات خاصة لـ“القصة”، أن التهديدات الأمريكية الأخيرة تجاه فنزويلا ونيجيريا ليست جديدة في جوهرها، موضحًا أن العلاقات المتوترة بين الولايات المتحدة من جهة، وكل من فنزويلا وكوبا من جهة أخرى، ممتدة منذ عقود.
وأشار عبد المطلب، إلى أن الملف النيجيري هو الجديد على الساحة السياسية، معتبرًا أن الحديث عن أنابيب النفط والغاز الممتدة من نيجيريا إلى شمال إفريقيا “لا يمثل تهديدًا للمصالح الأمريكية، بل قد يخدمها في بعض الجوانب”.
وأضاف: دونالد ترامب اعتاد على إطلاق تصريحات متناقضة وغير مدروسة منذ توليه السلطة، إذ تتراوح مواقفه بين الإعلان عن لقاءات ثم التراجع عنها، أو التلويح باستخدام القوة النووية دون تحديد عدو واضح، إلى جانب مواقفه المتقلبة من الحرب في غزة.
ترامب يثير القلق
من جانبه أضاف عبد المطلب: مثل هذه التصريحات، رغم طابعها السياسي، تؤثر مؤقتًا على الاقتصاد العالمي، متوقعًا أن تفتتح البورصات العالمية تداولاتها على تخوفات وخسائر، تحسُّبًا لأي تصعيد محتمل في إفريقيا، كما أن ذلك قد يؤدي إلى ارتفاع طفيف في أسعار النفط والذهب، نتيجة حالة القلق في الأسواق.
واستكملَ: ما يصدر عن ترامب لا يمكن وصفه بأنه إعلان حرب عسكرية أو اقتصادية، فالأسواق لا تتفاعل بجدية مع تصريحاته إلا إذا تحولت إلى قرارات فعلية، كما حدث مع فرض الرسوم الجمركية خلال ولايته السابقة.
وأشار إلى أن العالم لم يعد يأخذ هذه التصريحات على محمل الجد، لأنها تصدر بطريقة غير مؤسسية، بخلاف ما كان يحدث في الإدارات الأمريكية السابقة، التي كانت تدرس مواقفها وتعلنها عبر بيانات رسمية مدروسة من البيت الأبيض.
دور شركات الطاقة الأمريكية
وفيما يتعلق بالشركات الأمريكية العاملة في مجال الطاقة، مثل “إكسون موبيل” و“شيفرون”، استبعد الخبير الاقتصادي أن تكون لها دور في أي تصعيد سياسي أو عسكري، مؤكدًا أن هذه الشركات تسعى دائمًا إلى الاستقرار في مناطق عملها، لأنها «لا يمكن أن تعمل في بيئة تعاني من اضطرابات أو انعدام أمن».
وأوضح أنَّ: تلك الشركات تمتلك أنظمة حماية خاصة وميليشيات أمنية، ولها علاقات قوية مع الحكومات وجماعات الضغط في الدول التي تعمل بها، بما يضمن استمرار نشاطها بأقل قدر من المخاطر.
عبد النبي عبد المطلب: العراق كان مسألة مختلفة
وفي سياق المقارنة بين الحالة النيجيرية والغزو الأمريكي للعراق، أكَّدَ عبد المطلب أن المسألتين مختلفتان تمامًا، مشيرًا إلى أن التحرك الأمريكي تجاه العراق جاء في إطار مشروع أوسع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، وكان مقدمة لما عُرف لاحقًا بـ “الربيع العربي”، مضيفًا أن العراق آنذاك كان يمثل خطرًا استراتيجيًا محتملًا من وجهة نظر الغرب بسبب تحالفاته الإقليمية.
واختتمَ عبد المطلب تصريحاته بالقول إن ما يصدر عن ترامب تجاه نيجيريا لا يتجاوز كونه تصريحات سياسية فارغة المضمون، متوقعا: قد تشهد “الأسواق العالمية” اضطرابًا مؤقتًا بسبب التخوف من هذه التهديدات، لكنها سرعان ما ستستقر، ما لم تتحول الأقوال إلى أفعال أو تبدأ الولايات المتحدة فعلًا في تنفيذ عمليات عسكرية، وهو ما أستبعده تمامًا.
السياسة والاقتصاد وجهان لعملة واحدة
في النهاية اتّفقَ المحلِّلان، على أن الغاية من التهديدات الأمريكية ليست الاستيلاء على حقول النفط، وهكذا تتقاطع القراءة الدبلوماسية مع التحليل الاقتصادي لتؤكد أن تهديدات ترامب لا تعبّر عن توجُّه أمريكي جاد نحو التصعيد العسكري، بقدر ما تعكس مَيلًا إلى الخطاب الشعبوي ومحاولات لفرض الحضور السياسي والإعلامي وجذب الانتباه.
وبينما تستبعد الرؤية السياسية أي بعد ديني أو استعماري مباشر في أزمة نيجيريا، تشير الرؤية الاقتصادية إلى أن الأسواق العالمية قد تشهد اضطرابات مؤقتة بفعل هذه التصريحات، سرعان ما تنحسر ما لم تتحول الأقوال إلى أفعال.
ويبقى المشهد في مجمله شاهدًا على أن لغة القوة لم تعد ضمانًا للنفوذ في عالمٍ تحكمه المصالح الاقتصادية قبل البنادق.