كنتُ أظن عندما كنتُ صغيرًا أن الغرب قد انتهى من كل الاختراعات، ولم يترك لنا شيئًا لنخترعه، بل لم نفكر من الأساس في البحث عن شيء لنقدمه للإنسانية، فقط ننظر إليهم بانبهار، ونتسابق على شراء إنتاجهم وصناعات مبتكراتهم بدون أن نفكر، ونحاول أن نُعدّل هذا الوضع البائس.
في عصر النهضة العربية والإسلامية وصحوتنا الكبرى، كان لدينا الكثير الذي نقدمه للإنسانية في كل العلوم بدون استثناء؛ طب وفلك ورياضة وفلسفة ومنطق… إلخ. ترجمنا كتب الأقدمين، وكان العلم هو طريق التقدم، ودعم الولاة والأمراء العلماء في كافة فروع العلم والأدب والثقافة والدين.
والتاريخ حافل بعلماء سيظل يتردد اسمهم دائمًا إلى نهاية الحياة لثراء إرثهم، أمثال:
ابن البيطار، عالم نبات، أخذ عنه الغرب طريقة تركيب الأعشاب الطبية، واكتشف أول داء لعلاج السرطان من الأعشاب.
أحمد الغافقي، رائد موسوعة الصيدلة، وعالم في الطب والنباتات وعلم الأدوية، وأستاذ ابن البيطار.
أبو الريحان البيروني كان عالمًا متعدد المجالات في الفيزياء والرياضيات والجيولوجيا والجغرافيا، واعتُبر أعظم علماء الكون قاطبة؛ لأنه وضع أسس العلوم الحديثة، وتم إطلاق اسمه على أحد الفوهات البركانية على سطح القمر في القرن العشرين.
الشريف الإدريسي، أول من رسم خرائط العالم على كرة مجسمة، وأول من حدد المعالم الجغرافية بدقة، وكانت خرائطه الأساس الجغرافي حتى نبغ الغرب وعدل عليها، وكتبه ظلت تُترجم لقرون عديدة.
ابن النفيس، مكتشف الدورة الدموية، التي نُسبت على غير الحقيقة إلى ويليام هارفي.
الحسن بن الهيثم، من أكابر علماء العالم، أسس علم الضوء، ورفض نظرية بطليموس في الضوء، وقال إن الضوء واللون هما من يحددان الرؤية، وحدد سرعة الضوء، وترك تراثًا ضخمًا من الاكتشافات والابتكارات.
ابن بطوطة، أكبر رحالة عرفه العالم في التاريخ القديم، وتُعد رحلاته من عيون التراث العربي والإسلامي.
أبو القاسم الزهراوي في الطب، ويُعد من أهم الجراحين في التاريخ، الذي قدم وصفًا لأكثر من ٢٠٠ أداة جراحية.
أمثال هؤلاء العلماء والمؤثرين كُثر، ويصعب حصرهم، مثل ابن خلدون في علم الاجتماع، وابن رشد في الفلسفة، وابن سينا في الطب والرياضيات والفيزياء، وأحمد بن ماجد أبو الجغرافيا الحديثة.
وغيرهم كثيرون أثروا في الفكر الإنساني وقدموا خدمات جليلة إلى الإنسانية، وترجم الغرب كتبهم إلى لغات عديدة، ونهلوا من معارفهم، وبنوا على هذا الإرث الذي تركه علماؤنا نهضتهم.
وبدأت مرحلة التراجع والتأخر عند العرب والعالم الإسلامي، وانتقل الغرب إلى الحداثة بعد عصور طويلة عاشها في الظلام والجهل، وانتقلنا نحن إلى عصور الاستعمار والتخلف.
العالم يتحرك من حولنا، ونحن ما زلنا ندور في فلك الماضي السحيق، نترحم عليه ولم نستفد منه، لم نجعله عنوانًا للمثابرة للعودة إلى ريادتنا ومكانتنا.
من ينظر إلى وضع الوطن العربي الآن يشعر بالغثيان، من حالة الانقسام والتناحر والمكيدة فيما بينهم، أو بين أبناء الدولة الواحدة.
فالوضع في اليمن، والسودان، والعراق، والصومال، وفلسطين، وليبيا، وسوريا، ولبنان، صعب لا يدعو للفخر، بل للشفقة والحزن والأسى على بلاد طالت بأبنائها عنان السماء، وبنت مجدًا ونهضة وحضارة وإرثًا إنسانيًا وتاريخيًا عظيمًا. اليوم لم يعد كالأمس، وتبدلت الأحوال، يقتتلون ويتنازعون، ويقوضون أوطانهم غدرًا وخيانة وعدم ولاء.
فكيف تُبنى نهضة لبلاد متناحرة طائفيًا وعنصريًا؟ وحكام أهملوا شعوبهم في سبيل عروشهم، واختلط الدين بالسياسة، والسياسة بالدين، وغُيّبت الكفاءات، وقُرّب أهل الثقة على أهل الخبرة، وساروا وراء المصالح بانتهازية مطلقة، فسفكوا دماء أبناء شعوبهم، وتركوهم بلا مستقبل، بلا أمل في غدٍ مشرق.
وعندما كبرت أصبحت متأكدًا أننا لن نخترع شيئًا، وسيواصلون هم نجاحاتهم العلمية في كل المجالات، ونحن سنظل متلقي فتات ما يعطونه لنا صاغرين، ضعفاء، مهزومين، وتلك شر الهزائم.
النهضة الحقيقية لأي شعب هي بالعلم والمعرفة، بالعدل والمساواة، وعدم التمييز بين أبنائه، بالحرية والعيش الكريم.