اغتيال سيف الإسلام القذافي لم يكن مجرد تصفية شخصية سياسية مثيرة للجدل، بل كان حدثًا كاشفًا لعمق السيولة التي يعيشها المشهد الليبي. فالرجال الذي مثل، بالنسبة للبعض، احتمال عودة “الدولة المركزية”، وبالنسبة لآخرين رمزًا لمرحلة لم تُحسم حساباتها، خرج من المعادلة في توقيت حساس، تاركًا فراغًا لا يبدو أن أحدًا قادر على ملئه بسهولة.
السؤال اليوم ليس فقط من يخلفه، بل: أي اتجاه ستأخذه ليبيا في ظل غياب شخصية كانت تمثل نقطة تقاطع بين قوى متباعدة؟
أولًا: الشرق الليبي.. هل يعزز قبضته؟
في شرق البلاد، حيث يتمركز النفوذ العسكري والسياسي بقيادة المشير خليفة حفتر، قد يبدو المشهد أكثر وضوحًا. غياب سيف الإسلام يزيل منافسًا كان قادرًا على جذب جزء من القاعدة الاجتماعية في الوسط والجنوب، وربما حتى في بعض مناطق الشرق.
لكن في المقابل، فإن تعزيز النفوذ في الشرق لا يعني بالضرورة القدرة على توحيد ليبيا. فالتوازنات الدولية، وحساسية المشهد في الغرب الليبي، تجعل أي محاولة لفرض واقع أحادي محفوفة بالمخاطر.
ثانيًا: طرابلس.. استمرار التوازن الهش
في الغرب، حيث تتمركز الحكومة المعترف بها دوليًا في طرابلس، يبقى المشهد قائمًا على تحالفات معقدة بين قوى سياسية وكتائب مسلحة. غياب سيف الإسلام لا يغيّر المعادلة جذريًا هناك، لكنه يزيل احتمال ظهور منافس انتخابي كان يمكن أن يعيد خلط الأوراق.
ومع ذلك، فإن الغرب الليبي لا يمتلك حتى الآن مشروعًا وطنيًا جامعًا قادرًا على استيعاب الشرق والجنوب ضمن صيغة توافقية مستقرة.
ثالثًا: الجنوب.. بيضة القبان المنسية
الجنوب الليبي، بموقعه الاستراتيجي وثرواته وتشابكاته القبلية، قد يكون الساحة الأكثر تأثرًا. فجزء من القواعد الاجتماعية التي كانت ترى في سيف الإسلام امتدادًا لنفوذ تاريخي قد تجد نفسها أمام فراغ سياسي. وهذا الفراغ قد يُملأ عبر تحالفات قبلية جديدة، أو عبر تمدد نفوذ قوى الشرق.
هل يظهر وريث سياسي؟
حتى الآن، لا توجد شخصية ليبية قادرة على الجمع بين ثلاثة عناصر أساسية:
- قاعدة اجتماعية عابرة للأقاليم.
- قبول دولي وإقليمي.
- قدرة فعلية على ضبط السلاح خارج مؤسسات الدولة.
وهنا تكمن المعضلة: ليبيا ليست في حاجة إلى “رجل قوي” بقدر ما تحتاج إلى مؤسسات قوية. لكن الواقع يقول إن توازن القوى ما زال يدور حول الأفراد والتحالفات المسلحة، لا حول مشروع دولة مكتمل.
ماذا يعني ذلك لمصر؟
بالنسبة لمصر، فإن السؤال لا يتعلق بالأشخاص بقدر ما يتعلق بالاستقرار. فاستمرار التوازن في شرق ليبيا، ومنع انزلاق الأوضاع إلى صدام واسع بين الشرق والغرب، يمثلان أولوية مباشرة للأمن القومي المصري.
أي صراع مفتوح سيعني ضغطًا على الحدود الغربية، وتحديات أمنية واقتصادية مضاعفة. لذلك فإن القاهرة معنية بدعم مسار يضمن وحدة المؤسسات الليبية، ويمنع تحول الفراغ السياسي إلى فوضى أمنية.
ارتدادات إقليمية أوسع
ليبيا ليست ساحة محلية معزولة، بل عقدة توازن في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل. استمرار الانقسام الداخلي ينعكس مباشرة على تونس والجزائر غربًا، حيث تتأثر حركة التجارة والأمن الحدودي. أما جنوبًا، فإن هشاشة الوضع الليبي تغذي مسارات تهريب السلاح والهجرة غير النظامية عبر الصحراء الكبرى، ما ينعكس على دول الساحل المضطربة أصلًا.
كما أن أي تصعيد عسكري واسع قد يعيد تنشيط مسارات الهجرة عبر المتوسط، ويضع أوروبا أمام موجة جديدة من الضغوط الأمنية والسياسية. وإلى جانب ذلك، تبقى ليبيا ساحة تنافس إقليمي بين قوى تسعى إلى تثبيت نفوذها عبر دعم أطراف مختلفة، وهو ما يعقّد فرص التوصل إلى تسوية داخلية خالصة.
السيناريو الأقرب.. بين الواقعية والأمل
اغتيال سيف الإسلام القذافي لا يختصر الأزمة الليبية، لكنه يكشف عمقها. فالحدث، رغم ثقله السياسي والرمزي، لم يصنع الانقسام بقدر ما عرّى جذوره الممتدة منذ سنوات: غياب عقد اجتماعي جامع، وتآكل الثقة بين الأقاليم، وتضخم دور السلاح على حساب الدولة.
السيناريو المرجح في المدى المنظور ليس الانفجار الشامل، بل استمرار حالة “اللا حسم”: شرق قوي نسبيًا، غرب متماسك بتحالفاته، جنوب متقلب، ودولة موحدة بالاسم فقط. أما ملء المشهد، فلن يكون عبر شخصية واحدة في المدى القريب، بل عبر إعادة توزيع النفوذ بين القوى القائمة.
ليبيا ليست بحاجة إلى “من يرث المشهد”، بل إلى من يعيد تعريفه على أساس دولة وقانون ومصالحة وطنية حقيقية. وهنا يقف المشهد بين الواقعية والأمل: واقعية تُدرك أن الانقسام ترسّخ عبر سنوات، وأن تجاوزه لن يكون سريعًا، وأمل في أن تشكّل هذه اللحظة الصادمة فرصة لإطلاق تسوية تاريخية تعيد بناء الثقة بين الشرق والغرب والجنوب.
وبالنسبة لمصر، تبقى الأولوية واضحة: ليبيا موحدة، مستقرة، قادرة على بسط سيادتها على كامل أراضيها، وخالية من الميليشيات العابرة للحدود. فاستقرار ليبيا ليس شأنًا ليبيًا داخليًا فحسب، بل هو جزء لا يتجزأ من معادلة الأمن القومي المصري وتوازنات الإقليم بأسره.
فإما أن يتحول الفراغ إلى حلقة جديدة في مسلسل الانقسام، أو يصبح نقطة بداية لإعادة تأسيس الدولة الليبية. والإجابة لم تُكتب بعد… لكنها ستحدد شكل ليبيا، وأمن جوارها، لسنوات طويلة قادمة.