داخل وسيلة مواصلات دار حوار عابر بين أحد الركاب وسائق، اختصر الكثير، قال السائق للراكب: “باقيلك جنيه خده”، فرد الراكب بـ”دم خفيف”: “هعمل بيه إيه؟ أرميه؟ ده كلها شويه ومش هيكون ليه قيمة”.
مشهد بسيط لكنه يعكس الواقع المر الذي يعيشه المصريون في ظل الارتفاع المستمر للأسعار. مع كل زيادة جديدة في أسعار البنزين تمتد الموجة إلى كل سلعة وخدمة، لتتآكل قيمة الجنيه المصري أكثر فأكثر، وبينما يحاول البعض التأقلم مع الغلاء، يتساءل آخرون: هل يأتي يوم يختفي فيه الجنيه تمامًا كما اختفى من قبل “الشلن” و”المليم” من حياتنا اليومية؟.. لم نعد نسأل كم وصل الدولار، بل ما موعد زيادة البنزين.
زيادة الوقود
لا شك أن قرار رفع أسعار البنزين لا يتوقف عند محطات الوقود، بل يمتد أثره إلى أبعد من ذلك، ليصل إلى أسعار النقل والسلع الغذائية والخدمات فكل ارتفاع في مدخلات الإنتاج يعني تلقائيًا ارتفاعًا في الأسعار، وبالتالي زيادة في معدل التضخم الذي يلتهم القوة الشرائية للجنيه المصري.
الجنيه
يقول الخبير الاقتصادي الدكتور إيهاب دسوقي، إن رفع أسعار الوقود لن يقف تأثيره عند محطات الوقود، بل سيمتد إلى مختلف قطاعات الاقتصاد، قائلًا: “لا شك أن مع ارتفاع الوقود، كل أسعار السلع والخدمات هترتفع بنسبة كبيرة، فده هيؤدي إلى زيادة معدل التضخم وبالتالي انخفاض القوة الشرائية للجنيه المصري.”
يضيف: “لو بنتكلم عن الجنيه دلوقتي، فأنا معتقدش إنه بيجيب أي سلعة أو خدمة يعني أنا بفكر: إيه السلعة اللي بيجيبها الجنيه؟ الجنيه ما بقاش له قيمة حاليًا، أقل حاجة الناس بتتعامل بيها النهارده هي الخمسة جنيه، ومتهيألي أقل من كده مبقاش ليه قيمة، فممكن بعد فترة فعلاً يختفي الجنيه، وتصبح الخمسة جنيه هي أقل عملة متداولة، بعدما كانت نفس قيمة الدولار منذ سنوات قليلة”
ويرى أن الحل لا يكمن في السياسات المالية فقط، بل في إصلاح جذري لهيكل الاقتصاد: “الأدوات اللي تستخدمها الدولة لم تنتج ولم تصدر، فلازم يكون عندنا إنتاج وتصدير عشان يكون عندنا قوة اقتصادية، فبالتالي العملة يكون ليها قوة.”
التضخم تراجع.. لكن الجنيه!
أما الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة، يقول في تصريح خاص لـ القصة إن الدولة تبذل جهودًا واضحة للسيطرة على التضخم، لكن الطريق لا يزال طويلًا لاستعادة الجنيه لقوته الحقيقية.
ويضيف: “الدولة بتحاول جاهدة إنها تحجم عملية التضخم، وتحاصر مستويات الارتفاع في الأسعار، وده بيترجم لتحسين القوة الشرائية للجنيه عايزة تخلي الجنيه له قوة شرائية أفضل من السنوات الماضية.”
ويشير بدرة إلى أن المؤشرات تحسنت بالفعل:”كان معدل التضخم من سنتين بيقترب من 36 إلى 37%، والنهارده بنتكلم في حدود 12 إلى 13%، وده نتيجة مجهود كبير من الدولة في زيادة المعروض وتحسين الأسعار.”
لكن رغم هذا التحسن، يرى بدرة أن قيمة الجنيه لا تزال بعيدة عن مستوياتها السابقة:”اللي بنشوفه النهارده ممكن على المدى الطويل يخلي الجنيه ليس له من القيمة الكبيرة، النهارده العملة الواحدة مبقاش ليها القوة الشرائية اللي كانت من خمس سنين.”
ويضيف: قوة الجنيه مرهونة بتحسن الاقتصاد الحقيقي، و”لازم نحسن القدرة الاقتصادية بالكامل عشان تنعكس على قيمة الجنيه، الجنيه هو مرآة الوضع الاقتصادي، وكلما تحسنت الأوضاع في الصناعة، والسياحة، والصادرات، وتحويلات المصريين، وقناة السويس، ده كله بينعكس على قوة الجنيه.”
كما يلفت الانتباه إلى تحسن نسبي في سعر الصرف مؤخرًا قائلاً: “مش ملاحظة إن النهارده الجنيه بيقوى أمام الدولار؟ النهارده تقريبًا بـ48 جنيه نجيب الدولار، وكان من أقل من شهرين بـ52 جنيه، فده تحسن واضح، وإحنا عشمانين نستمر في الاتجاه ده.”
ويختم حديثه بالتأكيد على أن الحل لا يأتي إلا من الداخل: “كل ما بنرفع مدخل من مدخلات الإنتاج، سواء كهربا أو مياه أو مواد بترولية، ده بيرفع الأسعار. ولحصر هذا الارتفاع لازم نزود الإنتاج ونوسع في التصدير ونوفر عملة صعبة، ده هو الطريق لتحسين الأوضاع.”
بين السخرية والواقع
ما بين حديث الركاب في المواصلات وتحليلات الخبراء، يبدو أن الجنيه المصري فقد كثيرًا من بريقه وقيمته الشرائية، ومع استمرار ارتفاع الأسعار وتكرار قرارات رفع الوقود، يعيش المواطن حالة من القلق على مستقبل العملة الوطنية التي كانت يومًا رمزًا للاستقرار.
فكما اختفى “الشلن” و”النص جنيه” من الحياة اليومية بعد أن تآكلت قيمتهما، يخشى البعض أن يسير الجنيه المصري في الطريق نفسه، إذا لم يشهد الاقتصاد طفرة حقيقية في الإنتاج والتصدير وخلق موارد مستدامة.
مرآة الاقتصاد
كلما زاد الإنتاج والصادرات وتحسنت موارد الدولة، استعاد الجنيه جزءًا من قيمته، وكلما ارتفعت الأسعار دون دعم حقيقي للناتج المحلي، تراجعت قدرته الشرائية أكثر فأكثر.
وبينما تواصل الحكومة مساعيها للسيطرة على التضخم وتحسين المؤشرات المالية، يبقى السؤال الذي يردده المواطن في الشارع هو ذاته الذي بدأ منه: “هو لسه الجنيه ليه قيمة؟”