لا يكاد يخلو بيت أو قعدة أو وسيلة مواصلات من الحديث عن انتخابات مجلس النواب. وعلى مواقع التواصل الاجتماعى، خصوصًا فيس بوك، يظهر بعض المستخدمين متواجدين ليل نهار ينشرون صور النواب وكأنها قضيتهم الأولى، حتى لو لم يعرفوا هؤلاء النواب شخصيًا. ويبدو أن هذا النشاط محركه العصبية الحزبية، خاصة فى الصعيد، حيث لا يحرّك كثيرين سوى الانتماء القبلى أو الحزبى، رغم يقينهم أن معظم النواب لم يقدموا شيئًا يُذكر خلال السنوات الخمس الماضية.
توقفت كثيرًا عند تصريح الكاتب الصحفى حلمى النمنم، وزير الثقافة الأسبق، الذى أكد أن نسبة المشاركة لم تتجاوز 7%، ولولا المال السياسى لكانت — على حد قوله — بين نصف بالمئة و1.5%. هذه النسبة الضئيلة تكشف حجم الفجوة بين المواطن والعملية الانتخابية. فرشوة الناخبين بكرتونة تضم كيلو رز وسكر وزيت، أو 200 جنيه فى الجيب — كما حدث فى الانتخابات السابقة — حوّلت الانتخابات إلى “موسم منفعة”. وعندما تتحول السياسة إلى موسم مكسب مؤقت، يفقد الصندوق معناه وتفقد العملية السياسية قيمتها. والسؤال الطبيعى: كيف وصلنا إلى هذا القاع؟ ومن المستفيد من هذه الفوضى؟ ومن يتحمل خسائر إعادة الانتخابات بالملايين؟ أمنيتى أن يُحاسب كل من أخطأ حتى لا يتكرر المشهد، فـ«من آمن العقاب أساء الأدب».
وخلال زيارة عائلية إلى قريتى بمدينة البلينا جنوب الصعيد، طرح بعض المزارعين — ومنهم من لا يجيد القراءة والكتابة — سؤالًا بسيطًا فى صياغته لكنه عميق فى معناه: إذا كان مرشحو القائمة «جايين جايين»، والقائمة مغلقة، «يبقى إيه فايدة الانتخابات؟ ما يخلوها تعيين». السؤال لا يسخر من الانتخابات، بل يعبر عن انعدام الثقة فى نظام يشعر المواطن أنه بعيد عنه، ولا يدرك جدوى القوائم المغلقة ولا معايير اختيار مرشحيها، ولا يرى لهم وجودًا فى الشارع. وهذه أسئلة مشروعة، وعلى القيادات الحزبية أن تجيب عنها.
وقد شاهدت ذلك بنفسى بين الأهل والجيران وكبار السن؛ استياء واسع من نظام القائمة المغلقة الذى لا يناسب المجتمع المصرى. فكيف يُنتخب مرشح لا يعرفه الناس، ولا برنامجه، ولا تاريخه؟ وكيف يتساوى مرشح حاضر دائمًا بين الناس بآخر مجهول؟ الحضور الحقيقى — كما يثبت نموذج ضياء الدين داوود وأحمد بلال — يختصر نصف الجهد.
والسؤال ذاته يوجَّه للمرشحين أنفسهم: لماذا يلجأ بعضهم للسخرية من منافسيهم عبر فيديوهات قصيرة مولدة بالذكاء الاصطناعى بدل استخدام الأدوات نفسها لشرح برامجهم؟ منصات مثل فيسبوك وإنستجرام ويوتيوب وتيك توك وX — التى تتجاوز نسب استخدامها 70% — توفر فرصة ذهبية للتواصل مع الناس. فيديو واحد يُعرض فيه البرنامج بوضوح أفضل من عشرات الصور الجوفاء.
وأذكر قصة واقعية: مرشح جاء إلى القرية، التقط صورة وغادر، ثم كرر المشهد فى دوار آخر. وسمعت قصة عن مواطنًا يسأل مرشحًا بعد خمس سنوات داخل المجلس: «عملت لنا إيه؟» فغضب المرشح وزق الطرابيزة. وغادر المكان فوراً، وآخر طلب منه مواطن خدمة فرد عليه: «اللى يعوزه البيت يحرم على الجامع». هذه المواقف تكشف أن بعض المرشحين لا يتقبلون أبسط نقد، رغم أن المواطن أصل وجودهم. كثير منهم بحاجة إلى دورات حقيقية للتعامل مع الجمهور فى المجال السياسى.
وفيما يخص إعادة الانتخابات، فقد شهدت 49 دائرة من أصل 70 بالجولة الأولى إعادة بسبب عدم تقديم الهيئة الوطنية للانتخابات المحاضر المطلوبة — خاصة محاضر الفرز — فى الموعد المحدد من المحكمة الإدارية العليا، مما اضطر المحكمة للفصل فى الطعون بناءً على مستندات المرشحين فقط. والسؤال: من يتحمل مسؤولية هذه الفوضى؟ وكيف يتجاوز الفارق فى بعض الدوائر 50 ألف صوت؟ وما مصير هذه الأصوات؟ الأمر يحتاج مراجعة ومحاسبة حقيقية.
تصريحات الرئيس السيسى حول الانتخابات أربكت حسابات كثيرة ودفعت بعض المواطنين لتغيير قناعتهم والإدلاء بأصواتهم بحرية أكبر، وشعر البعض بأن هناك بصيص أمل. وقد تكون هذه فرصة للمرشحين، لكن بشرط أن تُدار العملية بنزاهة كاملة. فنحن فى مصر والعالم العربى نخوض معركة وعي… الوعي ثم الوعي، كما تكشفه الشوارع ووسائل التواصل.
ورصد أحد المواقع الصحفية خلال انتخابات مجلس النواب 2025 شكاوى المواطنين عبر فيديوهات من لجان مختلفة؛ البعض تحدث عن انتشار البلطجة والمخدرات، ومواطنة طالبت بتشجير الشوارع ورفع القمامة. لكن المشهد الأكثر مرارة كان كبار السن الذين قالوا للمراسل: «مش عارفين هننتخب مين… هما قالوا تعالوا… وننزل عشان الـ200 جنيه». ضحك يشبه البكاء، كما قال المتنبى: «وكم ذا بمصر من المضحكات… ولكنه ضحك كالبكاء». إنها أزمة وعي وفقر وعوز.
ولفهم الوضع الاقتصادى الحقيقى لأى دولة، انظر فقط إلى حال المواطن فى الشارع؛ فهو المرآة الأصدق لاقتصاد بلده.
وبعد نشر مقالى السابق عن التجاوزات الانتخابية، حدثت مكالمة ودية مع أخى حسين قال فيها: «شوف الريس اتكلم عن الانتخابات… خليك دايمًا تتكلم بلسان الناس». نصيحة ذهبية، وهى جوهر العمل الصحفى. وذكرنى بها اللواء الدكتور سمير فرج فى حوار سابق حين قال: «انقلوا أوجاع الناس للمسؤولين». وأشهد لأخى حسين بكرمه، كما يقول المثل: «يا رب يجعلك ضيفه»… لكنه يظل «فنجري واللى فى جيبه مش ليه».
أما عن كثرة الأحزاب، فالسؤال: ما فائدة 104 حزب بلا وجود حقيقى؟ لماذا لا تُدمج فى ثلاثة أحزاب قوية؟ أعتقد أن المواطن لن يشعر بغيابها لو اختفت جميعًا فى الصباح.
أما ظاهرة الرقص والطبل والزمر وسماعات الدى جى فى الشوارع خلال الانتخابات، فهى سلوكيات يجب وقفها بالقانون. متى ينتهى مشهد الرقص وكأن الطريق ملكية خاصة؟ ومتى يتوقف استغلال بعض الدعاة للدين فى توجيه الناخبين؟ ومن المضحك المبكى أن ترى مرشحًا يربت على رأس شاب ودموعه تكاد تنزل أمام الكاميرا، ثم يختفى بعد انتهاء الانتخابات. وياللعجب، كما قال صلاح جاهين. ومع أن دور النائب تشريعى وليس خدميًا، فإننا اختزلناه فى الخدمات، وفى هذا ظلم للنائب قبل الناخب.
الفقر والعوز هما المحرك الأساسى لشراء الأصوات. وعلى المواطن أن يدرك أن «علامة الصح» أمانة سيُسأل عنها. وأن يسأل المرشح: ماذا قدم؟ وماذا سيقدم؟ وهل برنامجه قابل للتنفيذ؟ أما الكرتونة فستنتهى قبل انتهاء الانتخابات. ولن نخرج من الأزمة إلا بالوعي… ثم الوعي… ثم الوعي، وبإعلام صادق ينقل آلام الناس؛ فالمصداقية والجدية هما سر تميز أى وسيلة إعلامية.
وللحديث بقية.