مرحباً بكم في المكسيك، أرض التاكو والتيكيلا والهيروين، والآن أرض “الألعاب النارية” التي لا تتوقف عن الاشتعال، ليس ابتهاجاً بقرب افتتاح كأس العالم لكرة القدم، التي ستقام بعض مبارياته على ملاعبها، وإنما بسبب الحرب التي باتت تدور رحاها في ثلث البلاد تقريباً، بعد أن قرع طبولها مقتل “إل منتشو”، زعيم عصابة “خاليسكو الجيل الجديد”، في عملية عسكرية تمت “بتنسيق استخباري دقيق” مع الولايات المتحدة الأمريكية.
وهو المصطلح الدبلوماسي الأنيق الذي يخفي بين طياته الحقيقة: بأن قرار الخلاص من “إل منتشو” قد خرج من واشنطن، والذي كانت نتيجته مقتله وأربعة من مساعديه، فيما أصيب بعض الجنود المكسيكيين في الاشتباك، الذي جعل أفلام المخرج الأمريكي الشهير “مايكل باي” تبدو وكأنها أفلام كرتون للأطفال. فالمكسيك اليوم لم تعد تلك الدولة التي تستعد لاستقبال الحدث الرياضي الأضخم على مستوى العالم خلال أشهر قليلة قادمة، بل تحولت إلى موقع تصوير مفتوح لفيلم أكشن بميزانية ضخمة.
وبمجرد انتشار خبر مقتل زعيم عصابة خاليسكو، قرر أعضاؤها رفض تقبل العزاء، في تجسيد حقيقي لكلمات الراحل العظيم سيد حجاب: “والله لناخد التار ونكمل المشوار”. وبدلاً من إقامة سرادق عزاء ضخم وتوزيع القهوة “السادة”، قاموا بإحراق 250 حافلة وشاحنة في 20 ولاية مختلفة. وهنا لا يمكننا بالطبع أن ننسى دور “ضيف الشرف” في جميع الكوارث التي تحدث على سطح هذا الكوكب البائس: إنه دونالد ترامب، الرجل الذي أقسم على كل الكتب السماوية أن “يجيب عاليها واطيها” في ولايته الثانية، ويؤجج جميع الصراعات في كل شبر على الخريطة في آن واحد. ونتذكر هنا تصريحاته الصحفية منذ ثلاثة أشهر بالبيت الأبيض، حين أعلن استعداده لإرسال قوات أمريكية إلى المكسيك لدحر عصابات المخدرات، التي وصفها بالمنظمات الإرهابية. ليأتي مقتل “إل منتشو”، والذي كان بمثابة “هدية عيد الميلاد” المتأخرة إلى واشنطن، في محاولة مكسيكية يائسة لنيل رضا ترامب، وكأن لسان حال الإدارة المكسيكية يقول: “انظر يا سيد ترامب، نحن نقوم بواجبنا، من فضلك لا تغزونا ولا تنظر إلينا بنفس نظرتك إلى الرئيس الفنزويلي المختطف مادورو، فنحن نختلف عن الآخرين تماماً”.
ومع اتساع رقعة المواجهات المسلحة بين الحكومة وعصابات المخدرات، تزامناً مع بدء العد التنازلي لانطلاق بطولة كأس العالم، يطرح السؤال: ماذا سيفعل تعساء الحظ من مشجعي المنتخبات التي أوقعتها القرعة للعب مبارياتها على الأراضي المكسيكية؟ وماذا ستفعل الحكومة لتأمين وجودهم؟ هل ستوفر لهم خزانات ملابس مصفحة في غرف الفنادق ليتخبأوا بداخلها؟ أم ستمنح سترة واقية من الرصاص لكل مشجع بألوان قمصان منتخبات بلاده هدية لكل زائر؟
أسئلة كثيرة بحاجة إلى إجابة، إلا أن الحقيقة الوحيدة الدامغة أننا صرنا أمام مشهد سريالي. فإذا أطلقت العنان وتخيلت الوضع الذي قد تبدو عليه المكسيك خلال الأشهر الثلاثة القادمة، فسوف ترى القنوات الرياضية وهي تتحدث عن التكتيكات والخطط أثناء تحليلها للمباريات، بينما تتحدث القنوات الإخبارية هي الأخرى عن التكتيكات الأمنية وخطط التأمين، لتكتشف في النهاية أنهما وجهان لعملة واحدة، فكلاهما يستخدم المصطلحات نفسها: تمركز، انتشار، هجوم، سيطرة على الأطراف.
المثير في الأمر أن كرة القدم كعادتها ستوحد الجميع: حكومة وعصابات ومواطنين، جميعهم سيلتفون حول الشاشات ويشجعون بكل حماس، وعندما يسجل منتخب المكسيك، يتراقصون فرحاً في آن واحد في لحظة وطنية خالصة تتوقف فيها الحياة، ثم يعود كل شيء إلى ما كان عليه بعد صافرة النهاية. وإن كانت الحكومة تسعى جاهدة للاستفادة من إقامة هذا الحدث العالمي في بلادها للخروج منه بأقصى استفادة ممكنة، فالأمر ذاته تسعى إليه عصابات المخدرات، التي تؤمن بأنه إن كانت قطر قد نجحت في “تكييف” ملاعبها، فإنهم قادرون على “تكييف” زوار المكسيك من مشجعي كرة القدم.
وبإمعان النظر إلى الجانب الاقتصادي، نجد أنه سوف يشهد طفرة لم يشهدها من قبل، كما سينتعش الاقتصاد غير الرسمي أيضاً كما لم ينتعش من قبل. وسياسياً، فإن الحكومة قطعاً سوف تملأ الدنيا ضجيجاً في حديثها عن “الأجواء الآمنة والمبهجة” التي تعيشها البلاد، وهي لا تكذب؛ فخلال فعاليات البطولة سيكون الجميع منشغلاً بمتابعة المباريات في الملاعب والمقاهي وحتى في الشوارع، من خلال مناطق المشجعين التي ستمتلئ بالشاشات العملاقة. إنها أفضل خطة شيطانية في التاريخ: “دع الشعوب تشاهد مباريات كرة القدم ولن يفكروا في أي شيء آخر”.
أخيراً، بمقتل “إل منتشو”، لم تُكتب كلمة النهاية بعد، بل ربما هو مجرد بداية لموسم جديد من الصراع، إذ هناك ما يقارب 25 ألف عضو في عصابة خاليسكو يتساءلون الآن: “من سيكون الزعيم القادم؟”، ويخشى المحللون أن مقتله سيفتح الباب لظهور “ميني-مينشوات” أصغر سناً وأكثر جنوناً يتصارعون على الزعامة. فبدلاً من عصابة واحدة كبيرة، قد تنشطر إلى عشرات العصابات الصغيرة. وعلى ما يبدو أيضاً أننا قد نخرج من خضم هذه الأحداث بانتصار درامي شيق إذا ما قرر صناع المسلسل الشهير “ناركوس مكسيكو” عودته من جديد بجزء رابع، بعدما توقف إنتاجه عقب عرض الجزء الثالث بنهاية عام 2021.