منذ القراءة الأولى لرواية بهاء طاهر “الحب في المنفى” اعتدت أن أضع خطوطًا بالقلم الرصاص تحت العبارات التي تشبهني أو تكاد تنطق بما يختلج في داخلي. كانت القراءة آنذاك فعل تعرّف على الذات، واكتشافًا لما لم أجد له لغة من قبل. غير أن روايات نجيب محفوظ وحدها انفردت بطقس مختلف؛ طقس لا يكتفي بالإشارة إلى الداخل، بل يستدرج القارئ إلى تأمل بطيء، يكاد يكون شعيرة شخصية.
لم أذكر أنني أمسكت قلمًا وورقًا لأدوّن عبارات قرأتها إلا في كتب تحمل اسم نجيب محفوظ. كثيرًا ما كنت أتوقف عن القراءة لا لأرتاح، بل لأتذوق المعنى، أو أتفحص فكرة، أو أدوّن جملة هزّت وجداني أو انسابت إلى عقلي انسيابًا لطيفًا.
وكأن القراءة معه ليست مرورًا على النص، بل إقامة مؤقتة في عالمه.
في إحدى ليالي العشر الأواخر من رمضان، وأنا أتهيأ لكتابة مقال، وقعت عيني على كراساتي القديمة، فاستوقفني اقتباس نقلته عنه منذ سنوات: «هل يخلق الصيام في الإنسان نوعًا من الشفافية يجعله يصل إلى أعماق قد لا يدركها وبطنه ممتلئ؟ أم أنه يعطي دفعة روحية للصائم تظهر علاماتها في هذا التذوق المرهف؟».
لم تكن العبارة مجرد تأمل ديني عابر، بل مفتاحًا لفهم قدرة محفوظ على النفاذ إلى مناطق خفية في النفس الإنسانية.
لم يكن أدب نجيب محفوظ عبقريًا في بنائه الروائي فحسب، بل كان مدهشًا في قدرته على قراءة البشر. قارئه يشعر دائمًا أنه يعرف شخوصه معرفة شخصية، كأنهم عاشوا معه أو مرّوا بحياته في لحظة ما.
امتاز نجيب محفوظ بأنه لا يكتب عن الإنسان المجرد، بل عن الإنسان كما هو: متناقضًا، هشًّا، طموحًا، خائفًا، نبيلًا أحيانًا، ووضيعًا أحيانًا أخرى.
في كراساتي وجدتني أنقل عنه قوله: «في حارتنا إما أن يكون الرجل فتوة، وإما أن يُعدّ قفاه للصفع»، وقوله إن «الحرية هي ذلك التاج الذي يضعه الإنسان على رأسه ليصبح جديرًا بإنسانيته».
تلك جُمل قصيرة، لكنها تختزل فلسفة حياة كاملة، وتفسر كثيرًا من سلوك البشر في علاقتهم بالقوة والخضوع، بالكرامة والانكسار.
من أكثر الأمنيات التي راودتني طويلًا أن يكتب نجيب محفوظ سيرته الذاتية بقلمه. تساءلت كثيرًا: لماذا أعرض كبير الحكائين عن كتابة حكايته؟ لماذا اكتفى بأن تُروى سيرته على ألسنة أصدقائه وتلاميذه؟
وكان الجواب، كما يبدو، جزءًا من فلسفته في الحياة. لم يرَ في حياته ما يستحق التسجيل، وكان يختصرها ساخرًا في قوله: «أنا مجرد موظف كتب روايات، كنت موظفًا حكوميًا في الصباح وكاتبًا في المساء».
كان يرى أن السيرة الذاتية تليق بمن عاشوا حياة سياسية صاخبة أو اجتماعية حافلة بالأسرار والمغامرات.
أما هو، فحياته – في ظنه – عادية، تشبه حياة آلاف المصريين الذين ولدوا في مطلع القرن العشرين، تعلموا في الكُتّاب، حفظوا شيئًا من القرآن، تدرجوا في التعليم، التحقوا بالوظيفة الحكومية، ثم خرجوا إلى المعاش.
هذه «العادية» الظاهرة كانت تخفي فرادة نادرة.
استطاع نجيب محفوظ، بانضباط صارم وعزيمة هادئة، أن يجعل حياته الوظيفية مجرد هامش طويل على متن حياته الحقيقية: الحياة في الأدب. لم يتعامل مع الكتابة كمهنة، بل كقدر.
كتب دون انتظار شهرة أو اعتراف، وحين جاءه نوبل قال ببساطة: «الشيء الذي أعتز به أنني كنت مخلصًا لعملي ومحبًا له»,
نشأ محفوظ في بيت متواضع بحي الجمالية، لأب موظف بسيط وأم أمية، لكنها كانت – في نظره – أكثر ثقافة من كثيرات تعلمن في مدارس أجنبية. عشقها للحياة، وانفتاحها على التاريخ، وشغفها بالموسيقى والآثار، تركت أثرًا بالغًا في تكوينه. كانت تصطحبه إلى المتحف المصري، وتطيل الوقوف أمام المومياوات، وتأخذه إلى المساجد والمزارات الإسلامية، كما تزور المعالم القبطية في تلقائية مدهشة.
حين سألها عن سر حبها للحسين وتعلقها بمار جرجس في آن واحد، أجابته ببساطة عميقة: «هم يا بني نفس السلسال، كلهم بركة».
من هذه المدرسة الأولى تعلم محفوظ درس التسامح، وانفتح وعيه على مصر بوصفها كيانًا حضاريًا متصل الحلقات، لا صدام بينها.
سكنت الجمالية وجدانه ولم تفارقه، حتى بعد أن انتقل للعيش في العباسية، حيث تعرف إلى أصدقاء عمره، ودخل الجامعة، وبدأت مرحلة التكوين العقلي.
هناك درس الفلسفة، وتأثر بأساتذة كبار مثل الشيخ مصطفى عبد الرازق، الذي جسّد في شخصه مصالحة نادرة بين التراث الإسلامي والعقل النقدي الحديث، كما تأثر بسلامة موسى في بداياته، فانعكس ذلك على رواياته الأولى ذات الطابع الفرعوني.
القراءة كانت جوهر حياته. بدأها طفلًا، وأدمنها مبكرًا، وبدأ الكتابة بتقليد ما يقرأه، يعيد كتابة الروايات ويضع اسمه على الغلاف. وحين فقد بصره وقدرته على الكتابة في أواخر عمره، كان حزنه الأكبر على فقدان متعة القراءة، معتبرًا إياها الهزيمة الأشد قسوة.
حين حسم صراعه بين الفلسفة والأدب لصالح الرواية، شعر براحة عميقة، وكأنه عثر أخيرًا على مكانه الطبيعي. حتى الزواج، تردد فيه طويلًا، خوفًا من أن يزاحم مشروعه الأدبي، ولم يقدم عليه إلا بعد الأربعين، واضعًا شرطًا وحيدًا:
ـ أن يكون الأدب هو القانون الأعلى لحياته.
هكذا عاش نجيب محفوظ: حياة تبدو من الخارج عادية، لكنها في جوهرها استثناء نادر.
لم يصنع الأسطورة من ضجيج، بل من التراكم الصامت، ومن الإخلاص اليومي لفعل الكتابة.
لذلك لم يحتج إلى أن يكتب سيرته؛ فقد كتبها كاملة في رواياته، وترك لنا أن نقرأ فيها ليس حكايته وحده، بل حكايتنا نحن، كما رآها بعين فنان، وقلب حكيم.