هزيمةٌ لم نخترها
تربّينا على هزيمةٍ لم نخترها، ولم تكن هزيمةً في الميدان، بل كانت أعمق من ذلك، هزيمةً في الخيال، في الصورة الراسخة التي زُرعت فينا جيلاً بعد جيل — أنّ ثمّة قوىً لا تُمسّ، لا تُجرح، لا تُردّ،أنّ إسرائيل والولايات المتحدة تقفان فوق نواميس الهزيمة التي تسري على سائر الأمم، نضرب نحن ويسقط منّا الدم، يضربون هم ولا يُحاسبون. لم يكن هذا مجرّد اعتقادٍ سياسيّ —
كان خرافةً نفسية تسلّلت إلى بنيتنا الداخلية كما يتسلّل السمّ الهادئ، ببطءٍ وبلا ضجيج، حتى صار جزءًا من طريقة تفكيرنا في أنفسنا.
نشأ جيلنا على صورٍ متراكمة: طائراتٌ تقصف دون أن يُسأل أحد، حروبٌ تُشعَل في المنطقة وتُطفأ وفق جدول مصالح لا نعرفه، واتفاقياتٌ تُوقَّع فوق رؤوسنا كأنّنا لسنا طرفًا في القضية، وكان في كلّ هذا رسالةٌ ضمنية موجّهة إلينا: لن تستطيعوا، لستم في المستوى.
الردّ سيكون مكلفًا أكثر مما تتحمّلون. الأخطر من القصف نفسه كان تطبيعنا مع فكرة أنّ القصف أمرٌ طبيعي، وأنّ سكوتنا عنه طبيعيّ أيضًا.
وهكذا صارت الهزيمة النفسية لا تحتاج إلى حربٍ جديدة كي تتجدّد — كانت تتجدّد وحدها، في كلّ مرة نتفرّج ونصمت، في كلّ مرة نقنع أنفسنا بأنّ ما يحدث “أكبر منّا”.
الأنظمة شريكةٌ في الكسر
لن تكتمل لكنّ الصورة إذا اكتفينا بالنظر إلى الخارج، لأنّ الهزيمة النفسية لم تأتِ من العدوّ وحده — بل أسهمت في تكريسها أنظمتنا ذاتها، بوعيٍ أو بغيره، وربّما بوعيٍ تامّ.
شربتنا هذه الأنظمة فكرة العجز منذ الصغر. علّمتنا أنّ السياسة شأنٌ لا يخصّنا، وأنّ القرار يُصنَع في غرفٍ لا تُفتح لنا، وأنّ دورنا هو أن ننتظر ما يُقرَّر ثمّ نتقبّله، صادرت حقّ الفعل باسم الاستقرار، وصادرت حقّ الكلام باسم الوحدة الوطنية، وصادرت حقّ التنظيم باسم الأمن، والنتيجة؟ جيلٌ كامل لا يرى نفسه فاعلًا في أيّ معادلة — لا في الداخل ولا في الخارج.
أصبحنا مفعولاً به في كلّ الجمل، في الاقتصاد تُفرض علينا السياسات ونُطلب منّا الصبر، في السياسة يُختار لنا الحكّام ونُطلب منّا الولاء، وفي الشأن الإقليمي تُرسَم الخرائط وتُعقَد الصفقات ونُطلب منّا القبول. الفاعل دائمًا غيرنا، ونحن نتلقّى.
وحين يتقن الإنسان دور المتلقّي طويلاً، يبدأ في الاعتقاد بأنّه لا يملك ما يكفي ليكون غير ذلك. الهزيمة الخارجية والداخلية صارتا وجهين لعملةٍ واحدة: إنسانٌ مُفرَغ من إحساسه بقدرته على التأثير.
ما الذي يتكسّر اليوم؟
لا أدّعي أنّ ما يجري انتصارٌ مكتمل، الدم الذي يُراق حقيقي، والخراب حقيقي، والثمن الذي يدفعه الناس في غزة وفي غيرها ثمنٌ باهظٌ لا يصحّ أن يُختزَل في معادلات رمزية، لكنّ الذي يحدث، في خضمّ هذا كلّه، هو أنّ أسطورةً راسخةً تتصدّع المنظومة التي كانت تبدو محصّنة من أيّ ردّ قابل للاعتبار باتت تُتداوَل في التقارير والجلسات بوصفها منظومةً مكشوفة، مكلِفة، عاجزةً عن تحقيق أهدافها كاملة، القوة لا تزال قوّة، لكنّها لم تعد خرافة.
وهذا الفرق — بين القوة والخرافة — ليس هامشيًّا، الخرافة هي التي تُشلّ القوة، حين تُسمّى بحجمها الحقيقي، تصبح شيئًا يمكن التفكير فيه والتعامل معه، وما يُضاف إلى هذا الزمن المرّ — وما أطلقه صعود ترامب من حروبٍ بالوكالة وعقوباتٍ واستعراضٍ مكشوف للقوّة — هو أنّ هذا الاستعراض بات يكشف نفسه بنفسه، فحين تُصبح القوة مفرطة في صلفها، تبدأ هي ذاتها في نزع هالتها، والبطل الخارق الذي لا يُهزَم لا يُحتاج إلى أن يُهزَم كي تتساقط الأسطورة — يكفي أن يُرى على حقيقته.
من المفعول به إلى الفاعل
في السياسة كما في علم النفس، ثمّة فرقٌ جوهري بين الشخص الذي يخسر ويعرف لماذا، والشخص الذي يخسر ويعتقد أنّ الخسارة قدرٌ كوني لا يُناقَش.
الأوّل يملك إمكانية النهوض، الثاني لا يبدأ حتّى في السؤال. ما كُرِّس فينا عقودًا هو النموذج الثاني: هزيمةٌ محاطة بهالة الحتمية، من الخارج بفعل القوى الكبرى، ومن الداخل بفعل أنظمةٍ جعلت من العجز فضيلة والطاعة حكمة، “هكذا الأمور”، “لا فائدة”، “أكبر منّا” — عباراتٌ لم تكن تعبيرًا عن الواقع بقدر ما كانت تعبيرًا عن مدى عمق ما زُرع فينا.
ما يتيحه هذا الزمن بكلّ ما فيه من دمٍ وألم هو فرصة مراجعة هذا النموذج، ليس بالوهم، وليس بالاحتفال الفارغ، بل بسؤالٍ بسيط وعميق: “هل كانت القناعة بأنّهم لا يُهزَمون حقيقةً موضوعية، أم كانت هي الهزيمة ذاتها؟ وهل كان عجزنا عن الفعل الداخلي طبيعةً فينا، أم كان مشروعًا ممنهجًا أُنجز بنجاح؟”
وحين نملك الجرأة على هذين السؤالين معًا، نكون قد بدأنا شيئًا لم نبدأه من قبل.
النصر الذي نبنيه في الداخل
الحروب تنتهي، الأسطورة إذا لم تُكسَر تبقى، والمعركة الحقيقية التي يخوضها هذا الجيل ليست فقط في الميدان، بل في ما سيحمله حين تضع الحرب أوزارها، هل سيعود إلى التطبيع مع الخيبة، أم سيحمل معه أخيرًا يقينًا بأنّ ما بدا أبدياً كان وهمًا، وأنّ الوهم حين يُرى بوضوح لا يعود يملك القدرة ذاتها على الإشلال؟”
النصر المعنوي لا يُبنى بالضرورة فوق الأطلال، بل يُبنى في اللحظة التي نقرّر فيها أن نتوقّف عن حمل هزيمةٍ لم نخترها لا الهزيمة التي زرعها فينا الخصم، ولا تلك التي رعاها الحاكم.
ونسأل بصوتٍ عالٍ: من وضعها فينا، ولماذا؟ حين نملك الجرأة على هذا السؤال، نكون قد استعدنا شيئًا لا يستطيع أيّ قصفٍ أن يأخذه — القدرة على أن نرى أنفسنا فاعلين، لا متلقّين، في قصّتنا.