رحل الدكتور مفيد شهاب بعد مسيرة طويلة أدى خلالها العديد من الأدوار المهمة، التي كانت مثار تقييم، شأن كل مَن يتصدى للعمل العام، وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع الرجل، لكنني أشهد له من خلال الممارسة النقابية أنه كان ضمن كتيبة قريبة من النظام، تعرف معنى الحوار وحدود الأدوار، التي تؤديها كل مؤسسة، وكان في بعض الأحيان ضمن قنوات أمينة تتفهم، وتنقل وتنصح، وتحاول الوصول إلى حلول وتعطي أولوية لنزع فتيل الأزمات.
أذكر له عام 2006م، عندما كان الأستاذ جلال عارف نقيبًا، وكان الدكتور مفيد قد تولى وزير الشئون القانونية والمجالس النيابية بداية من 30 ديسمبر 2005م، في أوج اشتباك بين النقابة، والحكومة والبرلمان بسبب محاولات التحايل على وعد مبارك لنقيب الصحفيين في افتتاح أعمال المؤتمر العام الرابع يوم 23 فبراير 2004م، عندما أعلن النقيب جلال عارف: “أبلغني الرئيس مبارك منذ ساعات أنه تقرر إلغاء عقوبات الحبس في قضايا النشر ولغير الصحفيين، وأنه سوف تُستكمل الإجراءات الخاصة بالتعديلات القانونية المطلوبة خلال بضعة أيام. هكذا لن يحبس مواطن في مصر بعد ذلك بسبب رأي منشور”.
ومنذ هذا التاريخ، وعلى مدى عامين لم تتوقف محاولات ترزية القوانين، وأعداء حرية التعبير والصحافة الالتفاف والتحايل على هذا الوعد وتفريغه من مضمونه، وتقدمت النقابة بمشروع بالتعديلات المطلوبة، ودعت لعقد اجتماع للجمعية العمومية، ونظمت مسيرة من النقابة إلى مجلس الشعب، والتقى النقيب وأعضاء المجلس كلًا من رئيس مجلس الشعب، ورئيس الوزراء، ورئيس مجلس الشورى، وفتحنا ملفي مواد الحبس في قضايا النشر والأجور.
وحاولت الحكومة أن تتقدم بمشروع لإلغاء الحبس في بعض قضايا النشر لا يلبي مطالب الصحفيين، أو يقترب من المشروع، الذي تقدمت به النقابة، بل فوجئت النقابة بمشروع الحكومة، الذي يتضمن تشديد عقوبة الحبس والغرامة لكل مَن يطعن في الذمة المالية للأفراد، وهو ما يعني تحصين الفاسدين وعدم المساس بهم، مما دفع النقابة لأخذ بعض الإجراءات التصعيدية، وأطلق على هذه المادة ” مادة احمد عز ” ، ووجه مجلس النقابة رسالة شديدة اللهجة إلى اعضاء مجلس الشعب، كما خاطب رئيس الجمهورية، وتقرر دخول اعضاء مجلس النقابة في اعتصام مفتوح بدأه سكرتير عام النقابة لاكثر من اسبوع وانضم اليه تباعا اعضاء من الجمعية العمومية.
وأعلن نادي القضاة تضامنه مع مطالب الصحفيين، وكذلك العديد من النقابات، والأحزاب، ومؤسسات المجتمع المدني، وأعلن رؤساء تحرير الصحف الحزبية والمستقلة الاحتجاب ابتداءً من التاسع من يوليو 2006م، وهو الموعد نفسه الذي نظم فيه مجلس النقابة وقفة احتجاجية أمام مجلس الشعب في اليوم المحدد لمناقشة القانون في الجلسة العامة للإعلان عن رفض المشروع، وبخاصة مادة الذمة المالية، ورفعوا شعار “تسقط الصحافة ويحيا الفساد!!”.
في هذا التوقيت، لعب الدكتور مفيد شهاب دورًا في الكواليس محاولًا نزع فتيل الأزمة رغم شدة الضغوط، التي كان يمارسها جمال مبارك، وأحمد عز لتمرير التعديلات، التي تُفرغ وعد مبارك من مضمونه، بل وكان إقحام مادة عدم المساس بالذمة المالية كارثة بكل المقاييس، وتواصل الدكتور مفيد مع النقيب، ونقل للرئيس الذي بدأ يتابع ما يجري على وقع هذا التصعيد.
وصباح يوم انعقاد جلسة مجلس الشعب، الذي تم دعوته لتمرير المشروع، وقف الدكتور مفيد شهاب في بداية الجلسة ليبلغ رئيس البرلمان تكليف الرئيس مبارك للحكومة بحكم سلطاته الدستورية، وبعد متابعته واهتمامه الكبير للمناقشات، التي جرت حول المشروع إلغاء المادة مثار الجدل.
وقد ساهم الدور، الذي أداه الدكتور مفيد شهاب ( كمًا أداه من قبله الدكتور اسامة الباز خلال أزمة القانون ٩٣ لسنة ٩٥ ) إلى خروج المشروع بعد إلغاء الحبس في بعض جرائم النشر، وعقوبة تعطيل الصحف، كما أعاد ضبط وتهذيب بعض مواد قانون العقوبات، وتخليصها من العبارات المطاطة وغير المحددة، كما جعل الحبس جوازيًا في بعض المواد الأخرى، التي كان الحبس فيها وجوبيًا، وهو ما اعتبره بيان صادر عن مجلس النقابة وقتها “مجرد خطوة يجب أن تتبعها خطوات لإزالة ما تبقى من قيود، وإرساء دعائم إصلاح سياسي يليق بمكانة مصر وشعبها العظيم”.
الدكتور مفيد شهاب كان أحد النماذج، التي كان النظام يملك الكثير منها، وتحظى بالكفاءة والخبرة والإمكانات والعلاقات المنفتحة مع الجميع، ومن خلالها كان يمد جسوره مع كثير من مؤسسات المجتمع؛ ليضمن إحداث أكبر قدر من التوازن وتخفيف التوتر، وتحقيق طول البقاء.